محمد ابو زهره

48

خاتم النبيين ( ص )

( ج ) وجود البيت الحرام بها ، وهو أعلى الأسباب ، إذ أنه صار بيت العرب الديني ، ومستقر شرفهم ، إليه يحجون ، وبه يأمنون ، كما قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ، أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ « 1 » . لقد كانوا لتقديسهم لمكانة البيت ، يحرمون على أنفسهم أن يقتلوا أو أن يقتتلوا داخل الحرم ، حتى أنهم مع تشديدهم في الأخذ بالثأر مما فرق جمعهم كانوا يحرمونه على أنفسهم في الحرم المكي ، زاده الله تعالى تشريفا وتكريما ، وأن الرجل كان يلقى قاتل ابنه أو أخيه فلا يمسه بسوء لمكان التقديس النفسي ، بل إنهم لا يحترمون المكان فقط ، بل يحترمون أيضا الزمان الذي يكون فيه الحج إلى بيت الله الحرام ، فكانوا لا يتقاتلون في أشهر الحج ، ولا شهر العمرة ، وهو ما يسمى بالأشهر الحرم ، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ورجب الذي بين جمادى وشعبان ، إذ كانت فيه عمرة مضر ، ولذلك سمى رجب مضر . وقد أقر الإسلام من بعد حرمة البيت ، ومنع القتال في الأشهر الحرم إلا إذا كان فيها اعتداء ، فإنه يكون من ظلم النفس ألا يدافع المعتدى عليه عن نفسه . ( د ) لقد كانت الصحراء العربية موضع تنازع بين القبائل ، ولم يكن في القبائل من تقرر لها نظام ، إلا مكة ، وإن لم تكن فيه صفة الدولة ، بيد أنه كان سلطانا ناشئا من تعاونهم ، وتضافرهم ، وتلاقيهم ، فهو نظام حر ناشىء ومنفذ بين قوم أحرار ، وإن لم تكن دولة ابتداء ، فإنه يجوز إذا اتسع السلطان ، ووجدت المقدرة الثابتة ، يصلح أن تكون فيه دولة العرب من بعد ، لأنهم يجدون فيها الرياسة المختارة من الشعب ، بمقتضى الإرادة العربية التي تتلاقى فيها القبائل ، وبمقتضى الانتخاب الطبيعي في البلاد العربية . ( ه ) وكانت قريش بمكة المكرمة ذات اتصال تجارى بين الروم والفرس ، فكانت فيها المتاجر تغدو وتروح ذاهبة إلى اليمن حاملة بضائع الروم إليها ، ومن اليمن تنفذ إلى ماوراءها في أرض الفرس ، وكانت بضائع الفرس التي تؤخذ من اليمن تذهب إلى الشام لتصل إلى ما وراءه من الرومان . والسبب في أن مكة كانت لها تلك الميزة الاقتصادية أنها كانت في وسط البلاد العربية بين اليمن والشام ، وأن المواصلات إبان ذلك كانت عن طريق البر بالصحراء العربية ، وفوق ذلك النزوع التجاري في أهل قريش ، احترفوا التجارة ، واتخذوها مرتزقا لهم ، إذ لم يكن في مكة زرع يغنيهم . وكان العرب يتخذون موسم الحج سبيلا للصفق في الأسواق التي تعقد في أيام الحج ، ومن هذه الأسواق عكاظ ، وغيره ، وكان هو أكبرها .

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 67 .