محمد ابو زهره
47
خاتم النبيين ( ص )
مكة المكرمة 41 - إذا كانت الجزيرة العربية موطن النبوة الأولى ، وقد ثبت أن خليل الله تعالى إبراهيم عليه السلام اوى إلى بلاد العرب بعد تطوافه بين العراق وأرض كنعان ، وبنى بيت اللّه تعالى ، وقد وجد في الدعوة إلى الواحدانية فيها مستجيبا ، وأنشأ فيها بيت الله الذي قال الله تعالى فيه : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً « 1 » . كانت مكة المدينة الممتازة بين العرب ، وقد تضافرت أسباب كثيرة في العرب جعلتها مناط عزتهم ، وملتقى اجتماعهم ، وجماع لغتهم ، وكان من أهم هذه الأسباب وأبرزها : ( أ ) أن أبا الأنبياء هو الذي ابتدأ بإنشائها ، وكانت من بعده مدينة العرب العظيمة وقطبها الذي تدور حوله قواها ، وهي وسكانها أولاد إبراهيم ، ذوو المكانة العظمى عند العرب استجابة لدعاء إبراهيم إذ قال عليه السلام ، كما حكى الله سبحانه وتعالى : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ ، وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ . « 2 » فكانت الاستجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام أن كان العرب يفدون إليها من كل فج عميق ، من وقت أن أنشأ إبراهيم البيت الحرام ، وصار مثابة للناس وأمنا ، وملتقى العرب أجمعين ، مع اختلاف قبائلهم ، وتباين منازعهم . ( ب ) وكان سكان مكة المكرمة هم قريشا الذين كانوا أعلى العرب فكرا إن كان العلو بالفكر ، وأشرفهم نسبا ، إن كان التفاخر بالنسب ، ولسانهم كان أقوى الألسنة أداء ، وأفصحها لفظا ، وأشرقها أسلوبا ، ولذلك كان العرب يجتهدون في أن تكون اثارهم الأدبية بلغة قريش ، فكان الشعراء حريصين أشد الحرص على أن يكون شعرهم بلغة قريش ، ويعتزون بأن يكون على نهج اللسان القرشي . ولقد ذكر رواة الأدب أن من ينال قصب السبق يعلق شعره على أستار الكعبة ، كأنما يسجل بين العرب ماثره الشعرية ، ومكانته بين الناس .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 96 ، 97 . ( 2 ) سورة إبراهيم : 37 - 40 .