محمد ابو زهره

14

خاتم النبيين ( ص )

ولكن يفيد كلام أبى الريحان البيروني احتمال أن يكون لأصل البرهمية رسالة سماوية ، ويرجح هذا الاحتمال بدليلين ينشأ عنهما ، وبهما يكون احتمالا ناشئا عن دليل ، ولمثل هذا الاحتمال قوة في الاستدلال . [ الأدلة على سماوية الأصل البرهمي ] أولهما : أن الرسل المذكورين في التوراة والقران ليسوا هم الرسل واحدهم ، بل يوجد غيرهم ، فقد قال تعالى : مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ « 1 » ويقول سبحانه وتعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ « 2 » فوجود ديانة سماوية بين الهنود الذين كانت فيهم ثقافة وإدراك أمر راجح ، بل أمر يقارب المقطوع به بمقتضى النصوص القرانية . ثانيهما : ما يذكره أبو الريحان البيروني في كتابه ( ما للهند من مقولة ، مقبولة في العقل أو مرذولة ) من أن خواص الهنود مواحدون ، وأن عوامهم هم الذين دخلت الوثنية في مزاعمهم ، فهو يقول في هذا المقام : « اعتقاد الهند في الله سبحانه وتعالى أنه الواحد الأزلي ، من غير ابتداء ولا انتهاء ، المختار في فعله القادر ، الحكيم المحيى المدبر المنفرد في ملكوته عن الأضداد ، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ . ولنورد لك شيئا من كتبهم لئلا تكون حكايتنا كالشىء المسموع فقط : قال السائل في كتاب ياتنجل : من هذا المعبود القوى ؟ قال المجيب : هو المستعالى بأزليته وواحدانيته عن فعل لمكافأة عليه براحة تؤمل وترتجى ، أو شدة تخاف وتتقى ، والبرىء من الأفكار ، لتعاليه عن الأضداد المكروهة ، والأنداد المحبوبة ، والعالم بذاته سرمدا . إذ العلم الطارئ يكون لما لم يكن بمعلوم ، وليس الجهل بحجة عليه في وقت ما أو حال . ثم يقول السائل بعد ذلك : فهل له من صفات غير ما ذكرت ؟ فيقول المجيب : العلو التام في القدر لا في المكان ، فإنه يجل عن التمكن ، وهو الخير المحض التام ، وهو العلم الخالص عن دنس الهوى والجهل . قال السائل : أفتصفه بالكلام أم لا . قال المجيب : إذا كان عالما فهو لا محالة متكلم . . قال السائل : فإذا كان متكلما لأجل علمه فما الفرق بينه وبين العلماء الذين تكلموا من أجل علومهم . قال المجيب : الفرق بينهم وبينه هو الزمان ، فإنهم تعلموا فيه وتكلموا بعد أن لم يكونوا عالمين ولا متكلمين ، ونقلوا بالكلام علومهم إلى غيرهم ، فكلامهم وإفادتهم في زمان ، إذ ليس للأمور الأزلية بالزمان اتصال ، فالله سبحانه وتعالى عالم متكلم في الأزل ، وهو الذي كلم براهما وغيره من الأوائل على أشكال شتى ، فمنهم من ألقى إليه كتابا ، ومنهم من فتح الواسطة بابا ، ومنهم من أوحى إليه ، فقال بالفكر ما أفاض عليه . قال السائل : فمن أين هذا العلم ؟ قال المجيب : علمه على حاله في الأزل ، وإذ لم

--> ( 1 ) سورة غافر : 78 . ( 2 ) سورة فاطر : 24 .