مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
65
حياة محمد ورسالته
غير - يفيد المعنى نفسه . وتعاليم القرآن الكريم تجعل العناية بأمر اليتيم والمسكين جوهر الدين نفسه . فكل من ينكر اليتيم ولا يحثّ غيره على إطعام الفقير ينكر الدين نفسه . واسمى قمم الشرف الانساني ، كما يقول القرآن الكريم ، هي رعاية اليتيم * والمعوز . وهو يتوعد كل من لا يحترم اليتيم بالأذلال . وينص على أن السقوط القومي لا بدّ أن يكون هو النتيجة الطبيعية التي ينتهي إليها كل مجتمع يهمل اليتيم ولا يعطف على الفقير . وبكلمة مختصرة ، فأن القرآن طافح بأمثال هذه التعاليم التي تؤكد ضرورة الاهتمام بأمر اليتيم والفقير . ونحن نستفيد من سيرة الرسول في سني حياته الأولى انه كان ، منذ طفولته نفسها ، يتمتع بأسمى مراتب الحياء والعفة . انه لم يكن نزّاعا إلى الأخذ بأسباب الطيش الصبياني الذي يغلب على الفتيان في مثل سنّه . وانما يشهد أبو طالب على هذا المعنى نفسه في حديث له عنه وجّهه إلى العباس ، قال : « أنا لم أره يكذب ، أو يعمد إلى المزاح ، أو يصطنع لغة السوقة ، أو يخالط صبيان الشوارع . » وكانت الحرب هي الوسيلة المفضلة للّهو وإضاعة الوقت في بلاد العرب ، على أيامه ، ولكن الرسول استشعر ، بفطرته ذاتها ، عزوفا عن ذلك ونفرة . وفي حرب الفجار لم يذهب إلى أبعد من دفع السهام وغيرها من أدوات القتال إلى أعمامه . وكانت الخرافات على اختلافها ، الخرافات الشائعة في البلاد ، بغيضة إلى نفسه . لقد مقت عبادة الأوثان منذ صباه الأول . وفي احدى المناسبات تشعب الحديث حتى انتهى إلى الصنمين العربيين الرئيسيين ، اللات والعزّى ، فأعلن انه لا يبغض أيما شيء
--> ( * ) « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . » ( السورة 2 ، الآية 220 ) « إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ . فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ . » ( السورة 69 ، الآيات 33 - 35 )