مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
64
حياة محمد ورسالته
نصر الرسول في السراء والضراء ، ودافع عنه ، معرّضا شخصه لخطر عظيم ، حين استبدّ الغيظ ببيوتات قريش مجتمعة . إلى ذلك الحد كان الانطباع الذي تركه سحر اخلاق محمد في نفسه عميقا . لقد اعتبر أن من الخسّة التي ما بعدها خسّة ان يتخلى عن رجل يتمتع بمثل هذا الخلق السامي . فهو يؤثر أن يتعرّض من أجله لمختلف ضروب المخاطر ، مواجها أحوالا قاسية . وحين سألته قريش ان يتخلى عن محمد عنّفهم وردهم ردا جميلا . وبكلمة ، لقد انتزع محمد اعجاب كل من قدّر له ان يتصل به . وأهمّ من ذلك وأحفل بالمغزى ان جميع الذين اتصلوا به كانوا رجالا ذوي صفات خلقية ممتازة إلى أبعد الحدود . وإلى جانب أصحابه المخلصين ، المشهورين في تاريخ الاسلام بسموّ أخلاقهم ، كان ثمة بين أصدقائه الأولين آخرون لا يقلّون عن هؤلاء نبل نفس وخلق ، من مثل حكيم بن حزام ، وهو زعيم قرشي محترم لم ينضو تحت لواء الاسلام إلا بعد سقوط مكة ، وزيد بن ثعلبة . وكانا صديقين حميمين ، ورجلين ذوي خلق متين . وهذا يحمل على الاعتقاد - كشأن اللمسة الذهبية في القصة المعروفة - أن كلّ من قدّر له أن يحتك بشخصية الرسول المغنطيسية ، حتى في هذه المرحلة المبكّرة من حياته ، كان يكهرب بسموّ أخلاقه ونبلها . ومن أنفس الجواهر في شخصية الرسول عطفه العظيم على الفقراء ، والمساكين ، والأيتام ، والأرامل . فكان يبذل قصاراه لتزويدهم بما يحتاجون اليه . وقد اقرّ له بهذه الفضيلة أعداؤه وأصدقاؤه على السواء وأعجبوا به من أجلها . وكلمات خديجة التي سرّت بها عن نفسه تقوم دليلا على هذا الجانب من شخصيته . وقد أشار أبو طالب إلى ذلك في شرحه السبب الذي يوجب عليه ان ينصره على أعدائه . واشتراكه في « حلف الفضول » - وهو حلف وضع ابتغاء الدفاع عن المظلوم ليس