مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )

63

حياة محمد ورسالته

باثرا عميقا بأخلاق الرسول وعطفه الانسانيّ . وهذا كان ، في الحق ، هو مبعث الحب العميق بين الزوج وزوجه . كان كل منهما مفعما بحسّ العطف الانساني . وليس في استطاعة امرئ ان يكون أكثر اطّلاعا على عادات رجل ما من زوجته ، التي تكون في مركز يمكّنها من النفاذ . في حرية ، إلى أعمق أعماق قلبه . واذن ، فكون خديجة قد آمنت هذا الايمان الثابت الذي لا يتزعزع ينهض دليلا لا يحتمل الجدل على كمال خلقه . واشدّ النقاد عداوة لا يجرؤ ، أمام هذا الدليل ، على الارتياب في صدق الرسول واخلاصه . ذلك بأن الدجال أعجز من أن يوفق إلى انتزاع كامل الولاء والاحترام القلبيين من مخلوقة مطّلعة على أسراره هذا الاطّلاع كله . إن لشهادة خديجة على سموّ خلق الرسول أعظم الوزن من غير ريب . ولكن الآخرين الذين اتصلوا به لم يكونوا أقلّ تعلّقا به . فلم يكد والد زيد ، رقيق الرسول المعتق ، يسمع بفوز ابنه بحريته ، حتى وفد على مكة ليعود به . ولم يكن في ميسور الرسول ، وهو الرقيق القلب ، أن يحول دون اجتماع شمل الوالد وولده . كان بالغ السعادة بأن يرى الابن يعاد إلى كنف أبيه المحبّ . ومع ذلك ، فإنه لم يستطع ان ينفصل عن زيد برغم هذا الأخير . وهكذا ترك لزيد ، حين سأله والده أن يقول له كلمة الوداع ، حرية اتخاذ القرار الذي يشاء . وهل يطمع والد في أكثر من ذلك ؟ والواقع انه لم يخطر بباله قط أن يغلب حبّ ابنه للرسول حبّه البنويّ له . كان زيد قد أمسى - على الرغم من تحرره من عبوديته المادية تحررا كاملا - مفتونا بشخصية الرسول الفاتنة . ومن هنا آثر - ويا لخيبة أمل الوالد ! - أن يبقى في كنف الرسول . وكذلك فأن تعلّق أبي بكر بالرسول على نحو راسخ حقيقة يعرفها الخاص والعام . ولم يكن أبو طالب أقلّ اعجابا بنبل خلق الرسول . فعلى الرغم من تمسّكه بدين آبائه وأجداده ، فقد