مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
59
حياة محمد ورسالته
في زيارة قبر زوجها ، فخرجت إلى المدينة حيث دفن ، مصطحبة الطفل معها . ولكن اليتيم حرم ، في بعض الطريق ، من أمه أيضا ، إذ توفيت في مكان يدعى الأبواء * فدفنت هناك . وهكذا وجد النبي نفسه ، وهو بعد طفل طري العود في السادسة ، محروما من أبيه وأمه . إن قدره لم يشأ له أن ينشأ في رعاية أبيه العطوف ، وحرمه حتى حنان أمه الرؤوم ، ولم يتح له فرصة إظهار حبه البنويّ لأبويه . ومع ذلك فقد خصّ أمه بالرضاع ، وأخواته [ واخوته ] بالرضاع ، حين استوى شابا ، بالمعاملة الحنون نفسها ، فكأنهم كانوا من ذوي قرباه حقا . ولقد زارته حليمة ، ذات يوم ، بعد أن تلقّى النداء الإلهي . فلم تكد تدخل على الرسول حتى نهض للترحيب بها - وهي أمارة على الاحترام العميق - ومدّ لها رداءه لكي تجلس عليه . ولقد أظهر احتراما خاصا ، أيضا ، لأخواته وأخوته بالرضاع ، بل لبني سعد جميعا ، لأن حليمة منهم . وعند وفاة أمه ، كفله جدّه عبد المطّلب . ولكن ما ان انقضت سنتان حتى حرمته يدا الموت هذه الرعاية أيضا . وهكذا كفله ، وهو في الثامنة من العمر ، عمه أبو طالب . والواقع ان الرسول تمتّع ، منذ طفولته نفسها ، بفضائل أكسبته محبة أبي طالب العميقة . كان كل من يجتمع اليه ، حتى في تلك السنّ المبكرة ، يعجب بخصاله وعاداته . وكان أبو طالب يبقيه إلى جانبه دائما ، ويصحبه حيثما ذهب ، بل كان يضجعه ليلا في فراشه هو . حتى إذا بلغ الرسول الثانية عشرة اعتزم أبو طالب ان يخرج في تجارة له إلى الشام . وكان محمد شديد التعلق بعمه ، فلم يطق مجرد التفكير بمثل هذا الفراق الطويل . وهكذا أجاز له أبو طالب أن يرافقه في تلك الرحلة الطويلة . وإنما تروي [ كتب
--> ( * ) قرية بين المدينة والجحفة ، بينها وبين المدينة ثلاثة وعشرون ميلا - راجع « حياة محمد » للدكتور محمد حسين هيكل ، ص 111 . ( المعرب )