مولانا محمد علي ( تعريب : منير بعلبكي )
60
حياة محمد ورسالته
السيرة ] انه التقى في هذه الرحلة راهبا مسيحيا يدعى بحيرى . فلم يكد هذا الراهب يرى إلى الغلام ، كما تقول القصة ، حتى استطاع أن يتبيّن في وجهه مخايل عظمته المقبلة ، وهكذا أوصى أبا طالب بأن يبالغ في رعايته ، لأنه سوف يتلقّى ، ذات يوم ، النداء الإلهي . وفي العشرين من عمره ، شارك الرسول في المعركة التي دارت بين قريش - وهي حرب الفجار ، وقد دعيت بهذا الاسم لأنها نشبت خلال الأشهر الحرم التي يحظّر فيها القتال . بيد أنه لم يلطّخ يديه بدم أيما امرئ من اخوانه في الانسانية ، فلم يزهق بيده هو روحا واحدة البتة . وبعد ذلك شارك في الحلف المعروف ب « حلف الفضول » ، الذي عقد لتوكيد حقوق الضعفاء والمظلومين وحمايتهم من الطغيان . فقد أخذ كل عضو من أعضاء الحلف على نفسه عهدا ليكوننّ مع المظلوم وليردّنّ عنه ضروب الاضطهاد على اختلافها . وإنما يرجع فضل المبادرة في وضع هذه المنظمة الانسانية إلى الرسول وإلى أسرته بني هاشم . وهكذا فأن نزوعه المبكّر إلى اسداء العون إلى المكروبين ليظهر أن الحنان الانساني كان مغروسا في فطرته نفسها . وفي هذه السنّ الغضة كانت استقامة الرسول قد اكتسبت شهرة بعيدة في مكة . كان يعرف عند الناس كلهم ب « الأمين » . وهذا اللقب لا يفيد معنى الأمانة في شؤون المال فحسب ، بل إنّه كلّي الشمول يدل على الاستقامة في أشكالها جميعا . كان كل من اتفق له أن عامله في هذه الفترة لا يفتأ يثني عليه طوال حياته . وحوالي هذه الفترة أيضا نشأت الحاجة إلى إعادة بناء البيت الحرام ، الكعبة . حتى إذا أعدّت جميع المواد الضرورية لذلك ، نهضت قريش مجتمعة بعبء هذه المهمّة . وفي أثناء البناء نشب نزاع خطير بين بيوتات قريش : أيهم يكون له فخار وضع الحجر الأسود في مكانه . ولقد كان جائزا أن يفضي ذلك