محمد حسين هيكل

99

حياة محمد ( ص )

العباس - وكان من أكثر بني هاشم يسارا - : « إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة : فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله ، آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفلهما عنه » . . . وكفل العباس جعفرا وكفل محمد عليّا ، فلم يزل معه حتى بعثه اللّه . وفيما محمد وخديجة يصليان يوما دخل عليهما عليّ مفاجأة ، فرآهما يركعان ويسجدان ويتلوان ما تيسّر مما أوحاه اللّه يومئذ من القرآن . فوقف الشابّ دهشا حتى أتما صلاتهما ، ثم سأل : لمن تسجدان ؟ فأجابه محمد - أو كما قال - : إنما نسجد للّه الذي بعثني نبيّا وأمرني أن أدعو الناس إليه . ودعا محمد ابن عمه إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وإلى دينه الذي بعث نبيّه به ، وإلى إنكار الأصنام من أمثال اللات والعزّى ، وتلا محمد ما تيسّر من القرآن ، فأخذ عليّ عن نفسه ، وسحره جمال الآيات وإعجازها واستمهل ابن عمه حتى يشاور أباه . ثم قضى ليله مضطربا ، حتى إذا أصبح أعلن إليهما أنه اتبعهما من غير حاجة لرأي أبي طالب وقال : « لقد خلقني اللّه من غير أن يشاور أبا طالب ، فما حاجتي أنا إلى مشاورته لأعبد اللّه » . وكذلك كان عليّ أول صبي أسلم ، ومن بعده أسلم زيد بن حارثة مولى النبي . وبذلك بقي الإسلام محصورا في بيت محمد : فيه وفي زوجته وابن عمه ومولاه . وظل هو يفكر كيف يدعو قريشا إليه وهو يعلم ما هي عليه من شدة البأس وبالغ التعلق بعبادات آبائها وأصنامهم . وكان أبو بكر بن أبي قحافة التّيمي صديقا حميما لمحمد ، يستريح إليه ويعرف فيه النزاهة والأمانة والصدق . لذلك كان هو أول من دعاه إلى عبادة اللّه وحده وترك عبادة الأوثان ، وأول من أفضى إليه بما رأى وبما أوحى إليه : ولم يتردد أبو بكر في إجابة محمد إلى دعوته وفي الإيمان بها . وأيّ نفس تنشرح للحق تتردد في ترك عبادة الأوثان لعبادة اللّه وحده ؟ وأي نفس فيها شيء من السمو ترضى عن عبادة اللّه عبادة حجر أيّا كانت صورته ؟ . أو أيّ نفس تقية تتردد في طهر الثياب وطهر النفس وإعطاء السائل والبر باليتيم ؟ ! وأذاع أبو بكر بين أصحابه إيمانه باللّه وبرسوله . وكان أبو بكر رجلا وسيما « مألفا لقومه محبّبا سهلا ، وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر . وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته » . وجعل أبو بكر يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ، فتابعه على الإسلام عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد اللّه وسعد بن أبي وقاص ، والزّبير بن العوام ، ثم أسلم من بعد ذلك أبو عبيدة بن الجراح وكثيرون غيره من أهل مكة . وكان أحدهم إذا أسلم ذهب إلى النبي فأعلن إليه إسلامه وتلقى عنه تعاليمه . وكان المسلمون الأولون يستخفون لعلمهم بما تضمر قريش من عداوة لكل خارج على أوثانها ، فكانوا إذا أرادوا الصلاة انطلقوا إلى شعاب مكة وصلوا فيها . وظلوا على ذلك ثلاث سنوات ازداد الإسلام فيها انتشارا بين أهل مكة ، ونزل على محمد فيها من الوحي ما زاد المسلمين إيمانا وتثبيتا . وكان مثل محمد خير ما يزيد الدعوة انتشارا : كان برّا رحيما ، جمّ التواضع كامل الرجولية ، عذب الحديث ، محبّا للعدل ، يعطي كل ذي حق حقه ، وينظر إلى الضعيف واليتيم وإلى البائس والمسكين نظرة كلها الأبوّة والحنان والعطف والمودّة . وكان تهجّده وسهره الليل وترتيله ما أنزل عليه ودوام نظره في السماوات والأرض والتماس العبرة من الوجود كله وكل ما فيه ، وفي توجهه الدائم للّه وحده ، والتماسه حياة الكون كله في أطواء نفسه ودخيلة حياته ، مثلا جعل الذين آمنوا به وأسلموا له أحرص على إسلامهم وأشدّ يقينا بإيمانهم ، على ما في ذلك من إنكار ما كان عليه آباؤهم واحتمال تعرّضهم لأذى المشركين ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم . آمن