محمد حسين هيكل
100
حياة محمد ( ص )
بمحمد من تجار مكة وأشرافها حتى عرفت نفوسهم الطهر والنزاهة والمغفرة والرحمة ، وآمن به كل ضعيف وكل بائس وكل محروم ، وانتشر أمر محمد بمكة ودخل الناس في الإسلام أرسالا رجالا ونساء . وتحدّث الناس عن محمد وعن دعوته . في أن أهل مكة من قساة الأكباد ومن على قلوبهم أقفالها لم يعبثوا به أول أمره وظنوا أن حديثه لن يزيد على حديث الرهبان والحكماء أمثال قسّ وأمية وورقة وغيرهم ، وأن الناس عائدون لا محالة إلى دين آبائهم وأجدادهم ، وأنّ هبل واللات والعزى ، وإسافا ونائلة اللذين كانا ينحر عندهما ، ستكون آخر الأمر صاحبة الغلب ، ناسين أن الإيمان الصادق لا يغلبه غالب ، وأن الحق قد كتب له الفوز أبدا . بعد ثلاث سنين من حين البعث أمر اللّه ورسوله أن يظهر ما خفي من أمره وأن يصدع بما جاء منه ، ونزل الوحي : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) « 1 » ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) « 2 » . ودعا محمد عشيرته إلى طعام في بيته ، وحاول أن يحدّثهم داعيا إياهم إلى اللّه ؛ فقطع عمه أبو لهب حديثه واستنفر القوم ليقوموا : ودعاهم محمد في الغداة كرّة أخرى ، فلما طعموا قال لهم : ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة . وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه . فأيكم يؤازرني على هذا الأمر ؟ فأعرضوا عنه وهمّوا بتركه - لكن عليّا نهض ، وهو ما يزال صبيّا دون الحلم . وقال : « أنا يا رسول اللّه عونك . أنا حرب على من حاربت » . فابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم ، وجعل نظرهم يتنقل من أبي طالب إلى ابنه ، ثم انصرفوا مستهزئين . انتقل محمد بعد ذلك بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعا . صعد الصّفا يوما ونادى : يا معشر قريش ! قالت قريش : محمد على الصفا يهتف ، وأقبلوا عليه يسألونه ماله ؟ قال : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقون ؟ قالوا : نعم ! أنت عندنا غير متهم وما جرّبنا عليك كذبا قطّ . قال : فإني نذير بين يديّ عذاب شديد ، يا بني عبد المطلب ، يا بني عبد مناف ، يا بني زهرة ، يا بني تيم ، يا بني مخزوم ، يا بني أسد ، إن اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا : لا إله إلا اللّه ، أو كما قال . فنهض أبو لهب - وكان رجلا بدينا سريع الغضب - فصاح : « تبّا لك سائر هذا اليوم ! ألهذا جمعتنا ! » . وأرتج على محمد فنظر إلى عمه ، ثم ما لبث أن جاء الوحي بقوله تعالى : ( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ . سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ) « 3 » . الإسلام والحرية لم يحل غضب أبي لهب ولا خصومة غيره من قريش دون انتشار الدعوة إلى الإسلام بين أهل مكة . فلم يكن يوم إلا أسلم فيه بعضهم للّه وجهه . وكان الزاهدون في الدنيا أشدّ على الإسلام إقبالا . أولئك لا تلهيهم التجارة ولا يلهيهم البيع عن التأمل فيما يدعوهم الداعي إليه . وهم قد رأوا محمدا في غنى من مال خديجة وماله ، وهاهو ذا مع ذلك لا يعبأ بهذا المال ولا بالمزيد عليه والإكثار منه ، ويدعو إلى الحب والعطف والمودّة والتسامح . بل هاهو ذا يجيئه الوحي بأن في الإكثار من الثورة لعنة للروح . أليس يقول : ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ .
--> ( 1 ) سورة الشعراء الآيات من 214 إلى 216 . ( 2 ) سورة الحجر آية / 94 . ( 3 ) سورة المسد من 1 إلى 3 .