محمد حسين هيكل
75
حياة محمد ( ص )
جاءت مع الريح من ناحية البحر ، وأصابت العدوي أبرهة نفسه ، فأخذه الروع وأمر قومه بالعودة إلى اليمن . وفر الذين كانوا يدلّون على الطريق ومات منهم من مات . وكان الوباء يزداد كل يوم شدّة ورجال الجيش يموت منهم من يموت كل يوم بغير حساب . وبلغ أبرهة صنعاء وقد تناثر جسمه من المرض ، فلم يقم إلا قليلا حتى لحق بمن مات من جيشه . وبذلك أرّخ أهل مكة بعام الفيل هذا ، وخلده القرآن بذكره : ( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ . أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ . وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ . تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) « 1 » . مكانة مكة بعد الفيل زاد هذا الحادث الفذّ العجيب في مكانة مكة الدينية ، وزاد تبعا لذلك في مكانتها التجارية ، وزاد أهلها انصرافا عن التفكير في شيء غير الاحتفاظ بتلك المكانة الرفيعة الممتازة ومحاربة من يحاول الانتقاص منها أو الاعتداء عليها . وزاد المكيين حرصا على مكانة مدينتهم ما كانت تتيحه لهم من رخاء وترف على أوسع صورة يستطيع الذهن تصوّرها للترف في هذه الجهة الصحراوية البلقع الجرداء . فقد كان لأهلها غرام بالنبيذ أيّ غرام ، وكانوا يجدون في النشوة به نعيما أيّ نعيم ! نعيما يسّر لهم أن يطلقوا لشهواتهم أعنّتها ، وأن يجدوا في الجواري والعبيد الذين يتّجرون فيهم والذين يشترونهم متعا تغريهم بالمزيد منها ، ويغريهم ذلك بالحرص على حريتهم وحرية مدينتهم ، وباليقظة للذود عن هذه الحرية ودفع كل معتد أثيم تحدّثه نفسه بالعدوان عليها . ولم يكن شيء أشهى إليهم من أن يجعلوا سمرهم وشرابهم في سرّة المدينة حول بناء الكعبة . وهناك إلى جانب ثلاثمائة صنم أو تزيد ، لكل قبيلة من قبائل العرب بينها صنم أو أكثر ، كان أكابر قريش والمقدّمون من أهل مكة يجلسون ، يقصّ كلّ منهم أمر ما اتّصل به من أخبار البادية واليمن وجماعة المناذرة في الحيرة والغسا سنة في الشام مما ترد به القوافل أو يتناقله سكان البادية . وكان ذلك يصل إليهم على سبيل الرواية تتناقلها قبيلة عن قبيلة ، وكأن كل قبيلة لها مذيع وملتقط لا سلكي يتلقى الأنباء ويذيعها . يقص كل ما اتصل به من أخبار البادية ويروي روايات جيرانه وأصحابه ويشرب نبيذه ويعدّ نفسه بعد سمر الكعبة لسمر أكثر إشباعا لأهوائه وإمتاعا لشهواته . وتطلّ الأصنام بعيونها الحجرية على مجالس السمر هذه ، وللسامرين فيها من الحماية أن جعلت الكعبة بيتا حراما ومكة بلدا آمنا ، وللأصنام على السامرين ألّا يدخل مكة كتابيّ إلا أن يكون أجيرا لا يتحدّث بشيء من أمر دينه ومن أمر كتابه . ولذلك لم تكن ثمة جاليات من اليهود كما كانت بيثرب ، ولا من النصارى كما كانت بنجران . بل كانت كعبتها قدس أقداس الوثنية تحميها من كل مجدّف في أمرها ، وتحتمي بها من العدوان عليها . وكذلك استقلّت مكة بنفسها كما كانت تستقلّ قبائل العرب بنفسها ، ولا ترضى لغيرها عليها سلطانا ، ولا ترضى من استقلالها بديلا ولا تعنى من الحياة بغير هذا الاستقلال في حمى أوثانها ؛ لا تضار قبيلة قبيلة أخرى ، ولا تفكر طائفة من القبائل في الارتباط لتكون جماعة قوية ، لها ما للروم أو للفرس من مطامع في السيادة والغزو . ومن ثمّ ظلّت القبائل جميعا ولا كيان لها غير كيان البداوة تنتجع في ظلاله المرعى ، وتعيش في كنفه عيشا خشنا ، يحبّبه إليها ما فيه من استقلال وحرية وأنفة وفروسية .
--> ( 1 ) سورة الفيل .