محمد حسين هيكل
76
حياة محمد ( ص )
منازل أهل مكة وكانت منازل أهل مكة تحيط بدارة الكعبة ، تقترب منها أو تبتعد عنها تبعا لما لكل أسرة وفخذ من جلال خطر وجليل مقام ؛ فكان القرشيون أقربهم إليها دارا وأكثرهم بها اتصالا ، كما كانت لهم سدانتها وسقاية زمزم وكل ألقاب التشريف الوثنية التي قامت في سبيلها حروب ، وانعقدت من أجلها أحلاف ، ووضعت من أجلها بين القبائل معاهدات صلح كانت تحفظ في الكعبة تسجيلا لها ، وإشهادا لآلهتهم على ما فيها حتى تنزل غضبها بمن يخلّ بتعهداتها . وفيما وراء منازل قريش كانت تجيء منازل القبائل التي تليها في الخطر ، ثم تلى هذه منازل من دونهم ، حتى تكون منازل العبيد والخلعاء المستهترين . وكان النصارى واليهود بمكة عبيدا ، كما قدّمنا ، فكان مقامهم بهذه المنازل البعيدة عن الكعبة المتاخمة للصحراء ؛ ولذلك كان ما يتحدثون به من قصص دينية عن النصرانية واليهودية بعيدا عن أن يتصل بسمع أمجاد قريش وأشراف أهل البلد الحرام . وأتاح لهم بعده أن يصموا دونه آذانهم ؛ كما جعله بحيث لا يشغل بالهم ، وهم قد كانوا يسمعون مثله أثناء رحلاتهم كلما مرّوا بدير من الأديار أو صومعة من الصوامع . على أن ما بدأ يقال يومئذ عن نبيّ يظهر بين العرب قد أخذ يقضّ بعض المضاجع . ولقد عتب أبو سفيان يوما على أمية بن أبي الصّلت كثرة تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الأمر . وربما كان من حق أبي سفيان يومئذ أن يقول لصاحبه : إن هؤلاء الرهبان إنما يتحدثون من ذلك بما يتحدثون لأنهم في جهل من أمر دينهم ، فهم في حاجة إلى نبيّ يدلّهم عليه ؛ أما ونحن نتخذ الأصنام ليقرّبونا إلى اللّه زلفى فلا حاجة بنا إلى شيء من هذا ؛ ويجب علينا أن نحارب كل حديث من مثله . كان من حقه أن يقول هذا ؛ لأنه في تعصّبه لمكة ووثنيّتها لم يكن يقدّر أن ساعة الهدى بالباب ، وأن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام اقتربت ، وأن من بلاد العرب الوثنيّة المتدابرة سيضيء العالم كله نور التوحيد وكلمة الحق . عبد اللّه بن عبد المطلب وكان عبد اللّه بن عبد المطلب فتى وسيما جميل الطلعة . وكانت أوانس مكة ونساؤها معجبات لذلك به . وزادهن به إعجابا حديث الفداء والمائة من الإبل التي لم يرض هبل بما دونها فداء له ، لكن القدر كان قد أعدّ عبد اللّه لأكرم أبوّة عرفها التاريخ ، وأعدّ آمنة بنت وهب لتكون أمّا لابن عبد اللّه ؛ لذلك تزوّجها ولم تك إلا أشهر بعد زواجه منها حتى مات ، لم ينجه من الموت فداء أيّا كان نوعه . وبقيت آمنة من بعد لتلد محمدا ولتموت وما يزال طفلا . ونضع أمام نظر القارئ على الصفحة التالية شجرة النسب النبوي مبيّنا عليها أقرب التواريخ لميلاد أصحابها .