محمد حسين هيكل
69
حياة محمد ( ص )
مناصب الكعبة أفكانت تحيط بالكعبة منذ إنشائها مناصب كالتي تولّاها قصي بن كلاب في منتصف القرن الخامس الميلاديّ حين اجتمع له ملك مكة ؟ فقد اجتمعت لقصي الحجابة والسقاية والرّفادة والنّدوة واللواء والقيادة . والحجابة سدانة البيت ؛ أي تولى مفاتيحه . والسقاية إسقاء الحجيج الماء العذب الذي كان عزيزا بمكة ، وإسقاؤهم كذلك نبيذ التمر . والرّفادة إطعام الحاجّ جميعا . والندوة رياسة الاجتماع كل أيام العام ، واللواء راية يلوونها على رمح وينصبونها علامة للعسكر إذا توجّهوا إلى عدوّ . والقيادة إمارة الجيش إذا خرجوا إلى حرب ، وكانت هذه المناصب كلها معتبرة في مكة وكأنها تحيط بالكعبة متّجه أنظار العرب جميعا في عباداتهم . وأحسبها لم تنبت كلها دفعة واحدة منذ أقيم البيت ، بل نشأت الواحدة تلو الآخرى مستقلا بعضها عن الكعبة ومكانتها الدينية ، متصلا بعضها بالكعبة من طبعه . لم تكن مكة حين بناء الكعبة ، على خير ما يمكن أن يصوّره خيالنا ، لتزيد على قبائل من العماليق ومن جرهم ، فلما استقر بها إسماعيل ورفع قواعد البيت مع أبيه إبراهيم اقتضى تطوّر مكة ، لتصير حضرا أو ما يشبه الحضر ، زمانا طويلا ونقول : ما يشبه الحضر أن ظلت مكة وما تزال وفي طباع أهلها بقايا متخلفة من معاني البداوة الأولى . ولا يأبى بعض المؤرخين أن يذكر أنها ظلّت على بداوتها إلى أن اجتمع أمرها لقصيّ في منتصف القرن الخامس للميلاد . وعسير أن نتصوّر بقاء بلد له ما لمكة وبيتها العتيق من التقديس في حالة البادية ، مع ما يثبت التاريخ من أن أمر البيت بقي بعد إسماعيل في يد جرهم أخوال بنيه أجيالا متعاقبة أقاموها حوله ، ومع أن مكة كانت ملتقى طرق القوافل إلى اليمن وإلى الحيرة وإلى الشام وإلى نجد ، كما كانت تتصل من البحر الأحمر القريب منها بتجارة العالم . عسير أن نتصوّر بقاء بلد له هذه المكانة من غير أن يدنيه اتصاله بالعالم من مراتب الحضارة . فمن الحق لذلك أن نقدر أن مكة ، وقد دعاها إبراهيم بلدا ودعا اللّه له أن يكون آمنا مطمئنا ، قد عرفت حياة الاستقرار أجيالا طويلة قبل قصيّ . تغلب قريش وظل أمر مكة لجرهم بعد أن غلبوا العماليق عليها إلى عهد مضاض بن عمرو بن الحارث . وقد راجت تجارة مكة خلال هذه الأجيال رواجا أمّر مترفيها وجعلوا ينسون أنهم بواد غير ذي زرع وأنهم في حاجة لذلك إلى الدأب المتصل واليقظة الدائمة . وبلغ من نسيانهم أن نضب ماء زمزم وأن فكر عرب خزاعة في الوثوب إلى مناصب الأمر في البلد الحرام . ولم يجد تحذير مضاض قومه عاقبة ما انغمسوا فيه من ترف ، وأيقن أن الأمر زائل عنه وعنهم ؛ فعمد إلى زمزم فأعمق حفرها ، وإلى غزالتين من ذهب كانتا بالكعبة مع طائفة من الأموال التي كانت تهدي إلى البيت الحرام فدفعها بقاع البئر وأهال الرمال عليها ، آملا أن يعود له - الأمر يوما فيفيد من الكشف عنها ، وخرج ومعه بنو إسماعيل من مكة . ووليت خزاعة أمرها . وظلّت تتوارثه حتى آل إلى قصيّ بن كلاب الجدّ الخامس للنبيّ . وكانت أمّ قصيّ فاطمة بنت سعد بن سهل قد تزوّجت من كلاب فولدت له زهرة وقصيّا . ثم هلك كلاب وقصيّ طفل في المهد . وتزوّجت فاطمة من ربيعة بن حرام ؛ فرحل بها إلى الشام وهناك ولدت له درّاجا . وكبر قصيّ وهو لا يعرف لنفسه أبا غير ربيعة . ووقع بينه وبين آل ربيعة شرّ فعيّروه أنه في جوارهم وأنه ليس منهم . وشكا قصيّ إلى أمه ما عير إياه ، فقالت : يا بنيّ إنك واللّه لأكرم منهم أبا ، أنت ابن كلاب بن مرّة ، وقومك بمكة عند البيت الحرام .