محمد حسين هيكل
70
حياة محمد ( ص )
قصي بن كلاب ( سنة 400 م ) وقدم قصيّ مكة وأقام بها ، وعرف عنه فيها من الجدّ وحسن الرأي ما جعله موضع احترام أهلها وأهله فيها . وكانت سدانة البيت في خزاعة لحليل بن حبشيّة ، وكان رجلا ثاقب النظر حسن التقدير ؛ فما لبث حين خطب قصيّ إليه ابنته حبّى أن رحّب به وزوّجه منها . واستمر دأب قصيّ في السعي والتجارة ، فكثرت أمواله كما كثر أولاده وعظم بين قومه شرفه . ومات حليل بعد أن أوصى بمفتاح البيت الحرام لحبّى زوج قصيّ ، واعتذرت حبّى عن ذلك وجعلت المفتاح لأبي غبشان الخزاعي . وكان أبو غبشان سكّيرا ، فأعوزه الشراب يوما فباع مفتاح البيت قصيّا بزقّ خمر . وقدرت خزاعة ما يصيب مكانتها بمكة إذا بقيت سدانة الكعبة لقصيّ بعد أن كثر ماله وبعد أن بدأت قريش تجتمع حوله ، فأنكروا أن يكون لغيرهم منصب من المناصب المتصلة بالبيت الحرام . وإستنفر قصيّ قريشا ، ورأت بعض القبائل أنه أحكم المقيمين بمكة وأعظمهم قدرا فانضموا له وأجلوا خزاعة عن مكة ، واجتمعت مناصب البيت كلها لقصي ، وأقرّ القوم له بالملك عليهم . بناء منازل مكة وذهب البعض ، كما قدمنا ، إلى أن مكة لم يكن بها بناء غير الكعبة إلى أن تولّى قصيّ أمرها . ويعللون ذلك بأن خزاعة وجرهما قبلها لم يريدوا أن يكون إلى جوار بيت اللّه بيت غيره ، وأنهم لم يكونوا يقيمون ليلهم بالحرم بل يذهبون إلى الحلّ . ويضيف هذا البعض أن قصيّا لما تمّ له أمر مكة جمع قريشا وأمرهم أن يبنوا بها ، وابتدأ هو فبنى دار الندوة يجتمع فيها كبراء أهل مكة تحت إمرته ليتشاوروا في أمور بلدهم . فقد كان من عادتهم ألّا يتم أمر إلا باتفاقهم ؛ فلم تكن تنكح امرأة ولا يتزوّج رجل إلا في هذه الدار . وبنت قريش بأمر قصيّ حول الكعبة دورها ، وتركوا مكانا كافيا للطواف بالبيت ، وتركوا بين كل بيتين طريقا ينفذ منه إلى المطاف . وكان عبد الدار أكبر أبناء قصيّ ، ولكن أخاه عبد مناف كان قد تقدّم عليه أمام الناس وقد شرف فيهم . فلما كبر قصيّ وضعف بدنه ولم يبق قادرا على تولي أمور مكة جعل الحجابة لعبد الدار وسلم إليه مفتاح البيت ، كما أعطاه السقاية واللواء والرّفادة . وكانت الرّفادة قسطا تخرجه قريش كل عام من أموالها فتدفعه إلى قصيّ يصنع منه في موسم الحج طعاما ينال منه من الحاجّ من لم يكن ذا سعة ولا زاد . وكان قصيّ أوّل من فرض الرّفادة على قريش حين جمعهم واعتزّ بهم وأخرج وإياهم خزاعة من مكة . فرضها عليهم وقال لهم : « يا معشر قريش ! إنكم جيران اللّه وأهل بيته وأهل حرمه ، وإن الحاجّ ضيف اللّه وزوّار بيته ، وهم أحق الأضياف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم » . بنو عبد مناف وتولّى عبد الدار مناصب الكعبة كأمر أبيه وتولّاها أبناؤه من بعده . لكن أبناء عبد مناف . كانوا أشرف في قومهم وأعظم مكانة : لذلك أجمع هاشم وعبد شمس والمطّلب ونوفل بنو عبد مناف على أن يأخذوا ما بأيدي أبناء عمومتهم ، وتفرّق رأي قريش : تنصر طائفة هؤلاء وأخرى أولئك . وعقد بنو عبد مناف حلف المطيّبين ؛ لأنهم غمّسوا أيديهم في طيب جاؤوا به إلى الكعبة وأقسموا لا ينقضون حلفهم . وعقد بنو عبد الدار حلف الأحلاف . وكان هؤلاء وأولئك يوشكون أن يقتتلوا في حرب تذيب قريشا لولا أن تداعى الناس إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة ، وأن تبقى الحجابة واللواء والنّدوة لبني عبد الدار . ورضي الفريقان بذلك ، وظل الأمر عليه إلى أن جاء الإسلام .