محمد حسين هيكل

68

حياة محمد ( ص )

ورفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت الحرام . ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) « 1 » . ويقول تعالى : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) « 2 » . كيف رفع إبراهيم البيت مثابة للناس وأمنا ، ليتوجّه الناس فيه إلى اللّه مؤمنين به وحده ، ثم أصبح من بعد ذلك موئل الأصنام وعبادتها ؟ وكيف كانت أوضاع العبادة تؤدّى فيه بعد إبراهيم وإسماعيل ، وفي أية صورة كانت تؤدّى . ؟ ومتى تغيّرت هذه الأوضاع وتغلبت عليها الوثنية ؟ هذا ما لا يحدّثنا التاريخ المعروف عنه ، وكل ما هنالك فروض يحسبها أصحابها تصف ما كان واقعا . فالصابئون من عبّاد النجوم كان لهم سلطان كبير في بلاد العرب . وقد كان هؤلاء - فيما يقولون - لا يعبدون النجوم لذاتها وإنما كانوا في بداءة أمرهم يعبدون اللّه وحده ، ويعظمون النجوم على أنها مظاهر خلقه وقدرته . ولما كانت كثرة الناس الكبرى أقصر من أن يحيط ذهنها بمعنى الألوهية السامي ، فقد اتخذوا من النجوم آلهة . وكانت بعض الأحجار البركانية يخال الناس أنها ساقطة من السماء منحدرة لذلك من بعض النجوم ، ومن ثمّ اتخذت أوّل أمرها مظاهر لهذه الآلهة الرفيعة وقدّست بهذه الصفة ، ثم قدّست لذاتها ، ثم كانت عبادة الأحجار ، ثم بلغ من إجلالها أن كان العربيّ لا يكفيه أن يعبد الحجر الأسود بالكعبة ، بل كان يأخذ معه في أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة يصلي إليه ويستأذنه في الإقامة والسفر ، ويؤدّي إليه كل ما يؤدّي للنجوم وخالق النجوم من أوضاع العبادة . وعلى هذا النحو استقرت الوثنية وقدّست التماثيل وقرّبت لها القرابين . هذه صورة يصوّرها بعض المؤرخين لتطوّر الأمر في بلاد العرب من بناء إبراهيم البيت لعبادة اللّه ، وكيف آل أمره بعد ذلك فصار مستقر الأصنام . وقد ذكر هيرودوت ، أبو التاريخ المكتوب ، عبادة اللّات في بلاد العرب ، وذكر ديودور الصّقلّي بيت مكة الذي يعظمه العرب ؛ فدل ذلك على قدم الوثنية في شبه الجزيرة ، وعلى أن دين إبراهيم لم يستقر فيها طويلا . ولقد قام في هذه القرون أنبياء دعوا قبائلهم في بلاد العرب إلى عبادة اللّه وحده ، فرفض العرب وأصرّوا على وثنيّتهم : قام هود فدعا عادا ، وكانت تقيم في شمال حضرموت إلى عبادة اللّه وحده فما آمن به إلا قليل ؛ فأمّا كثرة قومه فاستكبروا وقالوا له : ( يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) « 3 » . وأقام هود يدعوهم السنين ، فلا تزيدهم دعوته إلا عتوا في الأرض واستكبارا . وقام صالح يدعو للإيمان ثمود . وكانت مساكنهم بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى في الجنوب الشرقيّ من أرض مدين القريبة من خليج العقبة ؛ ولم تثمر دعوة صالح ثمود أكثر مما أثمرت دعوة هود عادا . وقام شعيب في شعب مدين ، وكانوا بالحجاز ، يدعوهم إلى اللّه ، فلم يسمعوا له فهلكوا ونزل بهم ما نزل بعاد وثمود . وغير هؤلاء من الأنبياء قصّ القرآن قصصهم ودعوتهم قومهم لعبادة اللّه وحده ، واستكبار قومهم وإقامتهم على عبادة الأوثان وعلى التوجه بقلوبهم لأصنام الكعبة وحجّهم إليها كل عام من كل صوب وحدب في بلاد العرب . وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) « 4 » .

--> ( 1 ) سورة آل عمران آيتا 96 و 97 . ( 2 ) سورة البقرة الآيات من 125 إلى 127 . ( 3 ) سورة هود آية / 53 . ( 4 ) سورة الإسراء آية / 15 .