محمد حسين هيكل
63
حياة محمد ( ص )
عبادة الأصنام ولقد كانت للعرب في عبادة الأوثان أفانين شتّى يصعب على باحث اليوم أن يحيط بها . فقد حطّم النبي الأصنام وأمر أصحابه بتحطيمها حيثما ثقفوها ؛ وتناهى المسلمون عن التحدّث عنها بعد أن عفّوا على آثارها وأزالوا من الوجود في التاريخ وفي الأدب كل ما يتصل بها . على أن ما ورد من ذكرها في القرآن وما تناقلته في القرن الثاني للهجرة عنها ، بعد إذ أمن المسلمون فتنتها ، ينبئ عما كان لها قبل الإسلام من جليل المكانة وما كانت عليه من مختلف الصور ، ويدلّ على أنها كانت تتفاوت في درجات التقديس . وقد كان لكل قبيلة صنم تدين له بالعبادة . وكانت هذه المعبودات الجاهلية تختلف ما بين الصنم والوثن والنصب ؛ فالصنم ما كان على شكل الإنسان من معدن أو خشب . والوثن ما كان على شكله من حجر . أمّا النصب فصخرة ليست لها صورة معينة ، تجري عليها قبيلة من القبائل أوضاع العبادة ، لما تزعمه من أصلها السماويّ أن كانت حجرا بركانيّا أو ما يشبهه . ولعلّ أدقّ الأصنام صنعا ما كان لأهل اليمن . ولا عجب فحظهم من الحضارة لم يعرفه أهل الحجاز ولا عرفه أهل نجد وكندة . على أن كتب الأصنام لا تشير بالدقة إلى شيء من صور هذه الأصنام إلا ما قيل عن هبل من أنه كان من العقيق على صورة الإنسان ، وأن ذراعه كسرت فأبدله القرشيون منها ذراعا من ذهب . وهبل كان كبير آلهة العرب وساكن الكعبة بمكة ، فكان الناس يحجون إليه من كل فجّ عميق . ولم يكن العرب ليكتفوا بهذه الأصنام الكبرى يقدّمون إليها صلواتهم وقرابينهم ، بل كان أكثرهم يتخذ له صنما أو نصبا في بيته ، يطوف به حين خروجه وساعة أوبته ؛ ويأخذه معه عند سفره إذا أذن له هذا الصنم في السفر . وهذه الأصنام جميعا ، سواء منها ما كان بالكعبة أو حولها وما كان في مختلف جهات بلاد العرب وبين مختلف قبائلها ، كانت تعتبر الوسيط بين عبادها وبين الإله الأكبر . وكان العرب لذلك يعترون عبادتهم إياها زلفى يتقربون بها إلى اللّه وإن كانوا قد نسوا عبادة اللّه لعبادتهم هذه الأصنام . مكانة مكة ومع أن اليمن كانت أرقى بلاد شبه الجزيرة كلها حضارة بسبب خصبها وحسن تنظيم انحدار المياه إلى أرضها ، لم تكن مع ذلك مطمح النظر لأهل هذه البلاد الصحراوية المترامية الأطراف ، ولم يكن إلى معابدها حجهم ؛ وإنما كانت مكة وكانت كعبتها بيت إسماعيل مثابة الحاجّ ، إليها كانت تشدّ الرجال وتشخص الأبصار ، وفيها أكثر من كل جهة سواها كانت ترعى الأشهر الحرم . لذلك ولمركزها الممتاز في تجارة العرب كلها ، كانت تعتبر عاصمة شبه الجزيرة . ثم أراد القدر من بعد أن تكون مسقط رأس محمد النبي العربي ، فتكون بذلك متّجه نظر العالم على توالي القرون ، ويظلّ لبيتها العتيق تقديسه ، وتبقى لقريش فيها المكانة السامية ، وإن ظلّت وظلوا جميعا أدنى إلى خشونة البداوة التي كانوا عليها منذ عشرات القرون .