محمد حسين هيكل

64

حياة محمد ( ص )

الفصل الثاني مكة والكعبة وقريش موقع مكة - إبراهيم وإسماعيل - قصة الذبح والفداء - زمزم - زواج إسماعيل من جرهم - بناء الكعبة - ولاية جرهم أمر مكة - قصي وأولاده - اجتماع أمر مكة لقصي القرشي - هاشم وعبد المطلب - وظائف مكة الزمنية والدينية - الحج إلى الكعبة - قصة أبرهة والفيل - عبد اللّه بن عبد المطلب - قصة فدائه . موقع مكة : في وسط طريق القوافل المحاذي للبحر الأحمر ما بين اليمن وفلسطين ، تقوم عدّة سلاسل من الجبال تبعد نحو الثمانين كيلومترا من الشاطئ . وهي تحيط بواد غير فسيح ، تكاد تحصره لولا منافذ ثلاثة ، يصله أحدها بطريق اليمن ، ويصله الثاني بطريق قريب من البحر الأحمر ( بحر القلزم ) عند مرفأ جدّه ، ويصله الثالث بالطريق المؤدي إلى فلسطين . في هذا الوادي المحصور بين الجبال تقوم مكة . ومن العسير معرفة تاريخ قيامها . وأكثر الظن أنه يرجع إلى ألوف من السنين خلت . والثابت أن واديها اتّخذ من قبل أن تبني موئلا لراحة رجال القوافل ، بسبب ما كان به من بعض العيون ، وأن رجال القوافل هؤلاء كانوا يجعلون منها مضارب لخيامهم ، سواء منهم القادمون من ناحية اليمن قاصدين فلسطين والقادمون من فلسطين متجهين إلى اليمن . والراجح أن إسماعيل بن إبراهيم أوّل من اتخذها مقاما وسكنا ، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل وسوقا للتجارة يقع فيها التبادل بين الآتين من جنوب الجزيرة والمنحدرين من شمالها . إبراهيم عليه السلام وإذا كان إسماعيل أول من اتخذ مكة مقاما وسكنا فإن تاريخها فيما قبل ذلك غامض كل الغموض . وربما أمكن القول بأنها اتخذت مقاما للعبادة قبل أن يجيء إسماعيل إليها ويقيم بها . وقصة مجيئه إليها تدعونا إلى أن نلخّص قصة أبيه إبراهيم عليهما السلام . فقد ولد إبراهيم بالعراق لأب نجار كان يصنع الأصنام ويبيعها من قومه من يعبدونها . فلمّا شبّ إبراهيم ورأى الأصنام يصنعها أبوه ، ثم رأى قومه من بعد ذلك كيف يعبدونها وكيف يخلعون على هذه القطع من الخشب التي مرّت بين يديه ويدي أبيه كل ذلك التقديس ، ساوره الشك في أمرها ، وسأل أباه كيف يعبدها وهي من صنع يده ؟ ! وتحدث إبراهيم بذلك إلى الناس ؛ فاهتم أبوه لأمره مخافة ما يجرّه من بوار تجارته . لكن إبراهيم كان يحترم عقله ، ويريد أن يحمل الناس بالحجة على الاقتناع برأيه ؛ فانتهز غفلة الناس فذهب إلى هذه الآلهة فكسرها إلا كبيرها ، فلما جيء به على أعين الناس قيل له :