محمد حسين هيكل

6

حياة محمد ( ص )

أمم وطوائف ما كان العقل يسيغ إمكان التأليف بينها ؛ وظهرت الحكمة والرصانة وبعد النظر وكمال الفطنة وسرعة الخاطر وقوّة الحزم في كل ما صدر عنه من قول أو فعل ، وتفجّرت منه ينابيع العلم والمعرفة ، وينابيع البلاغة التي يطأطئ البلغاء رؤوسهم أمامها إجلالا وهيبة ؛ وفارق الدنيا وهو راض عن عمله مرضيّ من اللّه ومن المسلمين . وكل هذه النواحي تستحق الدرس والتمحيص ، وليس في مقدور شخص واحد أن يفيها حقها ، بل ليس في مكنة شحص واحد أن يوفي على الغاية في ناحية من هذه النواحي . وسيرة محمد صلوات اللّه عليه وعلى آله ، كسائر العظماء ، أضيف إليها ما ليس منها ، إما عن حب وهوى وحسن قصد ، وإما عن سوء قصد وحقد . غير أنها تمتاز عن سائر العظماء جميعهم بأن منها شيئا كثيرا ضمه الوحي الإلهي وضمن حفظه القرآن المطهر ، وشيئا كثيرا روي على لسان الحفاظ الثقات من المحدّثين ، وعلى هذه الأسس الصحيحة يجب أن تبنى السيرة ، وأن يستنبط العلماء منها حكمها وأسرارها ودقائقها ، وأن تحلل التحليل العلمي النزيه ، ملاحظا في ذلك ظروف الوسط وحال البيئة ونواحيها المختلفة من عقائد ونظم وعادات . وقد أخرج الدكتور هيكل للناس كتابه « حياة محمد » في سيرة محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، ويسرّ لي أن أطّلع على جزء منه قبل إتمام طبعه . والدكتور هيكل معروف لقراء اللغة العربية ، غنيّ باثاره فيها عن التعريف . وقد درس القانون واطلع على المنطق والفلسفة ، ومكّنته ظروفه وطبيعة عمله من الاتصال بالثقافة القديمة والثقافة الحديثة وأوفى منهما على حظ عظيم ، وناظر وجادل وهجم ودافع في المعتقدات والآراء وقواعد الاجتماع وفي السياسة وغيرها ، فنضج عقله وكمل علمه وأتّسع اطلاعه وامتدّ أفقه ، فأصبح يدافع عن آرائه بمنطق قويّ وحجج باهرة وأسلوب أختص به لا تخفي نسبته إليه . بهذه الثقافة وهذه القوّة نسج الدكتور كتابه وقال في مقدّمته : « لست مع ذلك أحسب أني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد ؛ بل لعلي أكون أدنى إلى الحق إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة الحديثة . وقد تأخذ القارئ الدهشة إذا ذكرت ما بين دعوة محمد والطريقة العلمية الحديثة من شبه قوىّ . فهذه الطريقة العلمية تقتضيك إذا أردت بحثا أن تمحو من نفسك كل رأي وكل عقيدة سابقة في هذا البحث ، وأن تبدأ بالملاحظة والتجربة ، ثم بالموازنة والترتيب ، ثم بالاستنباط القائم على هذه المقدمات العلمية . فإذا وصلت إلى نتيجة من ذلك كله كانت نتيجة علمية خاضعة بطبيعة الحال للبحث والتمحيص ، ولكنها تظل علمية ما لم يثبت البحث العلمي تسرب الخطأ إلى ناحية من نواحيها . وهذه الطريقة العلمية هي أسمى ما وصلت إليه الإنسانية في سبيل تحرير الفكر ، وها هي ذي مع ذلك طريقة محمد وأساس دعوته » . أمّا أن هذه الطريقة طريقة القرآن فذلك حق لا ريب فيه ؛ فقد جعل العقل حكما والبرهان أساس العلم ، وعاب التقليد وذم المقلّدين ، وأنّب من يتبع الظن وقال : « إن الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا » وعاب تقديس ما عليه الآباء ، وفرض الدعوة بالحكمة لمن يفقهها . ولم تكن معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلّم القاهرة إلا في القرآن ، وهي معجزة عقلية . وما أبدع قول البوصيري : لم يمتحنّا بما تعيا العقول به * حرصا علينا ، فلم نرتب ولم نهم وأما أن هذه الطريقة حديثة فهذا ما يعتذر عنه . وقد ساير الدكتور غيره من العلماء في هذا . لأنها طريقة القرآن كما اعترف هو ، ولأنها طريقة علماء سلف المسلمين . أنظر كتب الكلام تراهم يقررون أن أوّل واجب على المكلف معرفة اللّه ، فيقول آخرون : لا ، إن أوّل واجب هو الشك . ثم إنه لا طريق للمعرفة إلا