محمد حسين هيكل
7
حياة محمد ( ص )
البرهان . وهو وإن كان نوعا من أنواع القياس إلا أنه يجب أن تكون مقدّماته قطيعة حسية ، أو منتهية إلى الحس ، أو مدركة بالبداهة ، أو معتمدة على التجربة الكاملة أو الاستقراء التام ، على ما هو معروف في المنطق . وكل خطأ يتسرّب إلى إحدى المقدّمات أو إلى شكل التأليف مفسد للبرهان . وقد جرى الإمام الغزالي على الطريقة نفسها . وقد قرّر في أحد كتبه أنه جدد نفسه من جميع الآراء ثم فكر وقدّر ، ورتب وأزن ، وقرّب وباعد ، وعرض الأدلة وهذبها وحللها ؛ ثم اهتدى بعد ذلك كله إلى أن الإسلام حق ، وإلى ما اهتدى إليه من الآراء . وقد فعل هذا ليجافي التقليد ، وليكون إيمانه إيمان المستيقن المعتمد على الدليل والبرهان ، ذلك الإيمان الذي لا يختلف المسلمون في صحته ونجاة صاحبه . وأنت واجد في كتب الكلام في مواضيع كثيرة حكاية تجريد النفس عما ألفته من العقائد ، ثم البحث والنظر . فطريق التجريد طريق قديم ، وطريق التجربة والاستقراء طريق قديم ، والتجربة والاستقراء التام وليدا الملاحظة ، فليس هناك جديد عندنا ، ولكن هذه الطريقة القديمة بعد أن نسيت في التطبيق العلمي والعملي في الشرق ، وبعد أن نشأ التقليد وأهدر العقل ، وبعد أن أبرزها الغربيون في ثوب ناضج وأفادوا منها في العلم والعمل ، رجعنا نأخذها عنهم ونراها طريقة في العلم جديدة . هذا القانون العلمي في البحث معروف قديما وحديثا . والمعرفة سهلة ولكن العمل عسير . ولا يتفاوت الناس كثيرا في معرفة القانون ، ولكنهم يتفاوتون جدّ التفاوت في تطبيق القانون . تجريد النفس والملاحظة والتجربة والموازنة والاستنباط كلمات سهلة ؛ لكن الإنسان الرازح تحت أحمال الوراثة في دمه وعقله ، وأحمال البيئة في البيت والقرية والمدينة والدولة والمدرسة ، وأحمال المعتقدات والمزاج والصحة والمرض والشهوات ، كيف يسهل عليه تطبيق القانون ؟ هذا هو موضع الداء قديما وحديثا وهو سبب تعدّد المذاهب والآراء وسبب تبدلها وتنقلها من قطر إلى قطر ، ومن أمة إلى أمة . والفلسفة والآداب تبدّل ثيابها على تعاقب الأجيال كما تبدّل النساء أزياءها ، وقلّ أن تجد فيها شيئا يصونه حرز أو بقية حصن ؛ بل سرى التبدّل إلى قواعد العلم التي لم تكن طوال الأجيال الماضية موضعا للشك . ونظرية النسبية اضطرب لها العلماء وسرعان ما قام من يهدمها . والآراء في الأمراض وأسبابها وطرق علاجها وفي التغذية لا تزال مطيعة للتبدّل والتحول . وهكذا إذا أمعنّا النظر لا نجد أمانا لما أنتجه العقل وحده إلا ما كان البرهان بشروطه متوافرا فيه . ولكن ما نسبة هذه الأشياء التي يتوافر فيها البرهان إلى غيرها مما تمليه الظنون وتسطره الأوهام وتمجه الأذهان المريضة ، وتفرضه السياسة ؛ ويبدعه العلماء الذين يجدون كل اللذة في مخالفة غيرهم وإحداث هذه المذاهب والآراء ! ولعل هذه الحيرة ستخفف غلواء العلماء المعتزين بالعقل وحده ، وتلويهم يوما من الأيام إلى الدخول في حمى الحق وحصن اليقين ؛ وهو الوحي الصادق ، وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة . نعود بعد هذا إلى الدكتور هيكل وكتابه . يقول بعض علماء الكلام أن الاطلاع على علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان يدل أوضح الدلالة على شمول العلم الإلهي لدقائق الوجود . وأنا أقرّر أيضا أن العلم والكشف عن سنن الوجود وعجائبه سيكون نصير الدين ، وسيقرّب إلى العقل الإنساني طريق فهم ما كان غامضا مبهما ، وما كان فوق طاقة العقل إدراكه من قبل ، مصداقا لقوله تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) .