محمد حسين هيكل

46

حياة محمد ( ص )

فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتى أرتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء . قال ابن إسحاق : فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل ، قال : قلت لمحمود : هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم ؟ قال : نعم ! واللّه إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه وفي عشيرته ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك . ثم قال محمود : لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حيث سار ؛ فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم حين دعا فأرسل اللّه السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس قالوا أقبلنا عليه نقول : ويحك ! هل بعد هذا شيء ؟ قال سحابة مارّة » . وهذا الاختلاف في الوقائع يجعل تأكيدها والقطع بها أمرا غير ميسور في نظر العلم ، ويقتضي الذين يمحصونها ألّا يقفوا عند القول بالراجح والمرجوح قولا لا يثبت إحدى الروايتين ولا ينفي الآخرى ؛ وأقلّ ما يجب عليهم إذا لم تثبت الرواية عندهم أن يغافلوها ؛ فإذا عثر غيرهم من بعد على الأدلة اليقينية عليها فذاك ، وإلا بقيت غير ثابتة ثبوتا علميا . هذه هي الطريقة التي جريت عليها منذ بدأت هذا البحث في حياة محمد صاحب الرسالة الإسلامية . وأنا منذ اعتزمت القيام بهذه الدراسة إنما أردتها دراسة علميّة على الطريقة الحديثة خالصة لوجه الحق ، ولوجه الحق وحده . ذلك ما قلت في تقديم هذا الكتاب ، كما رجوت في خاتمة طبعته الأولى أن أكون قد وفّقت لتحقيق ما قصدت إليه ، وأن يكون البحث قد تم بحثا علميّا لوجه الحقيقة العلمية وحدها ، وأن أكون قد مهّدت به السبيل إلى مباحث في موضوعه أكثر استفاضة وعمقا ، تجلو أمام العلم من المسائل النفسية والروحية ما يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تلتمسها . وما أشك أن التعمّق في البحث يكشف عن أسرار كثيرة ظن الناس زمنا أن لا سبيل إلى تعليلها ، ثم إذا مباحث علم النفس تفسّرها وتجلوها واضحة للمتعقلين . وكلما وقعت الإنسانية على أسرار الكون الروحية والنفسية ازدادت صلة بالكون ، وازدادت سعادة بهذه الصلة ؛ كما أنها ازدادت استمتاعا بما في الكون لمّا ازدادت اتصالا بأسرار القوّة والحركة الكمينة فيه حين عرفت الكهرباء والأثير . من أجل ذلك كان خليقا من يتصدّى للبحث في مثل هذا الموضوع أن يتوجّه به إلى الإنسانية كلها لا إلى المسلمين وحدهم . فليست الغاية الصحيحة منه دينية محضة كما قد يظن بعضهم ، بل الغاية الصحيحة منه أن تعرف الإنسانية كيف تسلك سبيلها إلى الكمال الذي دلّها محمد على طريقه . وإدراك هذه الغاية غير ميسور إذا لم يهتد الإنسان إلى هذه السبيل بمنطق عقله ونور قلبه ، راضي النفس بهذا المنطق ، منشرح الصدر إلى هذا النور ؛ لأن مصدرهما المعرفة الصحيحة والعلم الصحيح . فالتفكير الذي لا يعتمد على المعرفة الدقيقة ولا يتقيّد مع ذلك بالطرائق العلمية ، كثيرا ما يعرّض صاحبه لأن يخطئ ويكبو ، وكثيرا ما ينأى لذلك به عن محجة الحق ، فطبيعتنا الإنسانية تجعل تفكيرنا يتأثّر بمزاجنا تأثرا عظيما . وكثيرا ما يختلف المتساوون علما في تفكيرهم لغير سبب إلا اختلاف أمزجتهم مع إخلاصهم جميعا في القصد والغاية . فمن الناس العصبيّ المزاج ، الحاد التفكير ، السريع إلى الاندفاع فيه . ومنهم الصوفيّ النزعة ، الرواقيّ المزاج ، الزاهد في المادّة وآثارها . ومنهم الماديّ الهوى ، المتأثر بماديته تأثرا يحول بين تفكيره وبين ما يحسّه من قوى تحيط به هي التي تسيطر على المادة . وغير هؤلاء كثيرون تختلف أمزجتهم ويختلف لذلك نظرهم إلى الأمور وتقديرهم إياها . وهذا الاختلاف نعمة كبرى على الإنسانية في ميادين الفن وفي الحياة العلمية ، لكنه نقمة على العلم وعلى التفكير القائم على أساسه ابتغاء أمثال الحياة العليا لخير الإنسانية جمعاء . ودراسة التاريخ يجب أن تكون غايتها نشدان الأمثال العليا