محمد حسين هيكل

47

حياة محمد ( ص )

من حقائق الحياة ، ويجب لذلك أن يتجنب من يدرس التاريخ سلطان الهوى وحكم المزاج . ولا سبيل إلى تجنبها إلا أن يتقيّد الإنسان بالطريقة العلمية أدق التقيد ، وألّا يجعل من العلم والبحوث العلمية في التاريخ أو غير التاريخ مطيّة لإثبات هوى من أهوائه أو نزوة من نزوات مزاجه . ولقد تأثر كثير من المستشرقين في بحوثهم التي صيغت صيغة العلم بأهواء أمزجتهم ، وكذلك فعل كثيرون من كتاب المسلمين ، وأعجب الأمر في هؤلاء وأولئك أن يتخذ كلّ تزينه نزوات مزاج الآخر من الوقائع ما يقيمه أساسا لكتابة يزعمها علمية ابتغى بها وجه الحق ، في حين هو يتأثر فيها بمزاجه وبهواه أشد التأثر . ودليل ذلك أنه لو كلّف نفسه بعض الجهد في تمحيص ما كتب الآخر تمحيصا نزيها لتداعت أمام نظره الوقائع التي أبدعها خيال صاحبه . ولو أنه فعل وتجرّد جهد طاقته من هوى نفسه ، وتحصّن بقواعد العلم وطرائقه ، لكانت كتاباته أبقى في النفوس أثرا على خلاف الكتابة التي يدفع إليها الهوى . وقد حاولت أن أبيّن شيئا من أخطاء هؤلاء وأولئك ، في هذا التقديم للطبعة الثانية ، متوخيا في ذلك ما اقتضاه المقام من إيجاز غاية الإيجاز . ولعلّي وفقت لبعض ما قصدت إليه من نزاهة وإنصاف . ليس من اليسير أن يقوم المستشرقون في بحوثهم الإسلامية بكل هذه الدقة وهذا الإنصاف ، مهما تحسن نيتهم ومهما يتحرّوا الدقة العلمية . فعسير عليهم أن يحيطوا بكل أسرار اللغة العربية وإن أحاطوا بعلومها . ثم إنهم متأثرون بالنصرانية الأوروبية تأثرا يجعل أكثرهم ينظرون إلى الأديان نظرة تملؤها الريبة ، ويجعل الأقلين المستمسكين بمسيحيتهم يتأثرون بما كان بين المسيحية والعلم من نضال ، فيخضعون في بحوثهم الإسلامية لمثل ما خضع له أمثالهم في بحوثهم المسيحية أو في بحوثهم الدينية بوجه عام ، أقصد التأثر بهذا النضال الهدام . وهذا أمر لا يعاب به المستشرقون المنصفون ؛ فلن يستطيع أحد من الناس أن يتحرر من حكم بيئته الزمانية والمكانية . لكنه يجعل بحوثهم في الأمور الإسلامية تشوبها شوائب تنأى عن الحق ولو بمقدار . ومن شأن ذلك أن يلقي على عاتق العلماء من أهل البلاد الإسلامية ، سواء منهم المشتغلون بالعلوم الدينية والمشتغلون بغيرها من العلوم ، هذا العبء الجليل العظيم ؛ عبء القيم بهذه المباحث الإسلامية بدقة ونزاهة في حدود الطريقة العلمية ، فإذا فعلوا مستعينين بمعرفتهم أسرار اللغة العربية والحياة العربية ، فسيكون لبحوثهم من الأثر أن تعدل بالمستشرقين ، أو ببعضهم على الأقل ، عن كثير من الآراء وتقنعهم بالنتائج التي وصل إليها علماء البلاد الإسلامية عن طمأنينة نفس وطيب خاطر . المسلمون وهذه البحوث وليس الوصول إلى هذه النتائج بالأمر الهين ؛ فهو يحتاج إلى جلد ومثابرة في البحث والموازنة والتفكير الحرّ ، لكنه ليس كذلك بالأمر المستحيل ولا بالأمر العسير . وهو بعد أمر جليل الخطر عظيم الأثر في مستقبل الإسلام وفي مستقبل الإنسانية كلها . وعندي أن القيام به على وجه صالح يقتضي التفريق بين فترتين مختلفتين من تاريخ الإسلام : أولاهما من بدء الإسلام إلى مقتل عثمان . والثانية من مقتل عثمان إلى أن أقفل باب الإجتهاد ؛ ففي الفترة الأولى بقي اتفاق المسلمين تامّا ؛ لم تغيّر منه روايات الاختلاف على الخلافة ، ولا غيّرت منه حروب الردّة ولا فتح المسلمين للبلاد التي فتحوا . أمّا بعد مقتل عثمان فقد دبّ الخلاف بين المسلمين وقامت الحروب الأهليّة بين عليّ ومعاوية واستمرّت الثورات ، ظاهرة تارة خفية أخرى ، ولعبت الأهواء السياسية دورا خطيرا في الحياة الدينية نفسها . وحسب الإنسان ، ليقدر هذا الخلاف ، أن يوازن بين المبادئ التي ينطوي عليها خطاب أبي بكر بعد بيعته حين يقول : « أمّا بعد ، أيها الناس ، فإني قد وليت عليكم ، ولست