محمد حسين هيكل
41
حياة محمد ( ص )
جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا ، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة ؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه ! أثر المنازعات السياسية الإسلامية والواقع أن المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدّت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييدا لها . فلم يكن الحديث قد دوّن إلى عهد متأخر من عصر الأمويين . وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه ، ثم لم يجمع إلا في عهد المأمون بعد أن أصبح « الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود » على قول الدار قطنيّ . ولعل الحديث لم يجمع في الصدر الأوّل من الإسلام لما كان يروى عن النبي أنه قال : « لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن . ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه » . على أن أحاديث النبيّ كانت متداولة على الألسن من يومئذ ، وكانت الروايات تختلف فيها . ولقد أراد عمر بن الخطاب أثناء خلافته أن يتدارك الحال في ذلك بأن يكتب السنن ؛ فاستفتى أصحاب النبي في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها . فطفق عمر يستخير اللّه شهرا ، ثم أصبح يوما وقد عزم اللّه له « 1 » فقال : « إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني واللّه لا أشوب كتاب اللّه بشيء أبدا » وعدل عن كتابتها ، وكتب في الأمصار عنها : « من كان عنده شيء فليمحه » . وظلّت الأحاديث بعد ذلك تتوالد وتتداول ، حتى جمع ما صح لدى الجامعين منها في عهد المأمون . ومع ما أبداه جامعو الحديث من حرص على الدقّة لا ريب فيه ، فقد جرّح بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التي أثبتها جامعوها على أنها صحيحة . قال النوويّ في شرح مسلم : « استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلّاد بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه » . ذلك أن الجامعين قد جعلوا مقياس السّند والثقة بالرواية أساسهم في قبول الحديث أو رفضه ؛ وهو مقياس له قيمته ؛ لكنه وحده غير كاف . وعندنا أنّ خير مقياس يقاس به الحديث ، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبيّ ، ما روي عنه عليه السلام أنه قال : « إنكم ستختلفون من بعدي ، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب اللّه . فما وافقه فمني ، وما خالفه فليس عني » . وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى ، وما زال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر . قال ابن خالدون : « وإنني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابيّ يخالف ظاهر القرآن وإن وثّقوا رجاله ؛ فرب راو يوثّق للاغترار بظاهر حاله وهو سئ الباطن . ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، كما تنتقد من جهة سندها ، لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض . وقد قالوا : إن من علامة الحديث الموضوع مخالفته لظاهر القرآن أو القواعد المقررة في الشريعة أو البرهان العقلي أو للحس والعيان وسائر اليقينيات » . وهذا المقياس الذي جاء في حديث النبي ، والذي ذكره ابن خالدون فيما تقدّم ، يتفق مع قواعد النقد العلمي الحديث أدقّ اتفاق . ومن الحق أن المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي حدّا دعا الدعاة فيهم إلى اختلاق الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات . ومنذ قتل أبو لؤلؤة غلام المغيرة عمر بن الخطاب ، ومنذ تولّى عثمان بن عفان الخلافة ، بدأت الخصومة التي كانت بين بني هاشم وبني أمية قبل رسالة النبيّ العربي تظهر من جديد . فلما قتل عثمان وقامت الحرب الأهليّة بين المسلمين وخاصمت عائشة عليّا وأيّد عليّا من أيّد ، بدأت الأحاديث الموضوعة تكثر إلى حد أنكره عليّ بن أبي طالب ، حتى روي عنه أنه قال : « ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن
--> ( 1 ) أي خلق له أسباب العزم من القوة والصبر .