محمد حسين هيكل
42
حياة محمد ( ص )
وما في هذه الصحيفة أخذتها من رسول اللّه فيها فرائض الصّدقة » . على أن ذلك لم يقف رواة الحديث عن روايته ، ولم يقف قوما عن وضع الحديث لهوى يدعون الناس إليه ، أو لفضائل يزعمون أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى رسول اللّه حديثها . فلما استتبّ الأمر لبني أميّة جعل المحدثون المتصلون ببني أمية يضعفون ما يروى عن عليّ بن أبي طالب وفضائله ، في حين جعل أنصار عليّ وأهل بيت النبيّ يزيدون في هذه الأحاديث ويحاولون إذاعتها بكل الوسائل ، كما جعلوا يعرضون عما يروى عن عائشة أمّ المؤمنين . ومن طريف ما يروى في ذلك ما رواه ابن عساكر عن أبي سعد إسماعيل ابن المثنّى الإستراباذيّ ؛ إذ كان يعظ بدمشق فقام إليه رجل فسأله عن قول النبي : أنا مدينة العلم وعليّ بابها . فأطرق إسماعيل لحظة ثم رفع رأسه وقال : نعم ، لا يعرف هذا الحديث عن النبي إلا من كان صدرا في الإسلام ، إنما قال النبيّ : أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها وعليّ بابها . وقد سر الحاضرون بذلك وطلبوا إلى إسماعيل أن يذكر لهم إسناده فاغتمّ لعجزه . وكذلك كانت الأحاديث تلفق لأغراض سياسية ولأهواء عاجلة . وقد كثرت هذه الأحاديث الموضوعة كثرة راعت المسلمين ، لمنافاة الكثير منها لما في كتاب اللّه . ولم تنجح المحاولات التي بذلت لوقفها في زمن الأمويين . فلما كانت الدولة العباسية ، وجاء المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبيّ كان قد أذيع من هذه الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ومئاتها ، وكان بينها من التضارب وفيها من التهافت ما لا يخطر بالبال . إذ ذاك قام الجامعون بجمع الحديث وتولّى كتّاب السيرة كتابتها . فقد عاش الواقدي وابن هشام والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون . وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحلّ بهم . لذلك لم يطبقوا ، بما يجب من الدقة ، هذا المقياس الذي روي عن النبي عليه السلام من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن فما وافق القرآن فمن الرسول وما خالفه فليس عنه . ولو أن هذا المقياس طبق بما يجب من دقة لتغير بعض ما كتب هؤلاء الأعلام . فالنقد العلمي على الطريقة الحديثة لا يختلف عن هذا المقياس في شيء . . . لكن أحوال العصر اقتضت هؤلاء الأعلام أن يطبقوا هذا المقياس على طائفة مما كتبوا ثم لا يطبقونه على طائفة أخرى . وقد ورث المتأخرون عن السلف هذه الطريقة في كتابة السيرة لاعتبارات غير اعتباراتهم . ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبّقوا الحديث على سيرة النبيّ العربي في جملتها وفي تفصيلها ، دون استثناء لأي نبأ روي عنها لا يتفق مع ما ورد في القرآن الكريم ؛ فما لم يكن مما تجري به سنّة الكون ولم يرد ذكره في كتاب اللّه لم يثبتوه وما كان مما تجري به سنّة الكون محصّوه ، ثم أثبتوا منه ما ثبت لديهم بالدليل اليقيني ، وتركوا ما لم يقم الدليل عليه . وقد أخذ بهذا الرأي جماعة من كبار الأئمة من سلف المسلمين ، وتابعهم عليه أئمة الإسلام إلى يومنا هذا . قال الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغيّ في التعريف بهذا الكتاب ما يأتي : « لم تكن معجزة محمد صلى اللّه عليه وسلّم القاهرة إلا في القرآن ، وهي معجزة عقلية . وما أبدع قول البوصيري : لم يمتحنّا بما تعيا العقول به * حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم وقال المرحوم السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار ( في عددها الذي صدر في 3 من مايو سنة 1935 ) ، ردّا على الذين اعترضوا على كتابنا هذا ، ما نصه : « أهمّ ما ينكره الأزهريون والطّرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات . وقد حرزتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس ، بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة اللّه القطيعة على ثبوت نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلّم بالذات ، ونبوّة غيره من الأنبياء وآياتهم بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آية إلا بها ، وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة ؛ لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى ، وأن المفتونين بها هم