محمد حسين هيكل
356
حياة محمد ( ص )
الأطراف ، واتخذوا من عقيدة القدر مثبّطأ للعزائم ، وغلا للأيدي عن العمل . والعامل الأقوى في حمل النفوس على قبول هذه الخرافات إنما هو السذاجة وضعف البصيرة في الدين وموافقة الهوى . أمور إذا اجتمعت أهلكت . فاستتر الحق تحت ظلام الباطل ، ورسخ في نفوس الناس من العقائد ما يضارب أصول دينهم ويباينها على خط مستقيم ، كما يقال . « هذه السياسة ، سياسة الظلمة وأهل الأثرة ، هي التي روّجت ما أدخل على الدين مما لا يعرفه ، وسلبت من المسلم أملا كان يخترق به أطباق السماوات ، وأخلدت به إلى يأس يجاور به العجماوات . . . فجلّ ما تراه الآن مما تسميه إسلاما فهو ليس بإسلام ، وإنما حفظ من أعمال الإسلام صورة الصلاة والصوم والحج ومن الأقوال قليلا منها حرّفت عن معانيها . ووصل الناس بما عرض على دينهم من البدع والخرافات إلى الجمود الذي ذكرته وعدوّه دينا . نعوذ باللّه منهم ومما يفترون على اللّه ودينه . فكل ما يعاب الآن على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيء آخر سمّوه إسلاما » « 1 » . مذهب المتأخرين من المسلمين هذه الحال التي صوّرها الشيخ محمد عبده أدّت إلى ذيوع مبادئ متناقضة نشرها أصحابها على أنها من الإسلام وأنها بعض ما أمر به اللّه ورسوله . من هذه المبادئ مذهب الجبرية الذي صوّره المتأخرون تصويرا يخالف ما جاء في القرآن . قد رأيت تصوير القرآن لهذا المذهب فيما سبق . أمّا أولئك المتأخرون فدعوا إلى القعود والاستسلام ، وقالوا إن العيش ليس بالسعي ولا التدبير ، وإنما هو بالرزق وبالتقدير ، دون أن يكون لعمل الإنسان فيه فضل . وهذه جبرية مخطئة أتاحت لبعض أهل الغرب أن يتّهم الإسلام بها باطلا من غير حق . ومن هذه المبادئ مذهب ازدراء المادة وعدم الأخذ منها بأيّ نصيب ، وهذا مذهب الرواقيين اليونانيين ، وهو مذهب انتشر في بعض العصور عند طوائف من المسلمين مع مخالفته لقوله تعالى : ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ) . ومع هذه المخالفة كان لهذا المذهب أدب مترامي الأطراف في العصر العباسيّ وما بعده ، والقرآن إنما يدعو إلى قصد السبيل ؛ فلا يرضى هذا الحرمان ، كما أنه لا يرضى الإباحية التي زعم إيرفنج أنها غمست المسلمين في الترف وصرفتهم عن الجهاد ، وهو بالأمم الإسلامية إلى حيث هي اليوم . الإسلام والمسيحية وقصد السبيل ويزعم الكاتب الأمريكي أن المسيحيّة تدعو إلى الطهر والإيثار على نقيض ما يتقوّله هو على الإسلام . ولست أريد أن أوازن بين الإسلام والمسيحية في هذه المسألة ، لأنهما فيها متفقان غير مختلفين . وكثيرا ما تجرّ الموازنة إلى جدل وتنابز لا خير للمسيحية ولا للإسلام فيه . لكني ألاحظ ، وأقف عند الملاحظة ، أن بين سيرة عيسى عليه السلام وما ينسب إلى المسيحية ، من دعوة إلى الرواقية والإمعان في الزهد ، اختلافا بينا . فلم يكن المسيح رواقيّا ؛ بل كانت أولى معجزاته أن أحال الماء خمرا في عرس « قانا الجليل » حيث كان مدعوّا ، وحيث أراد ألا يحرم الناس الخمر بعد نفادها . وهو لم يكن يأبى دعوة الفريسيين إلى مادبهم الفخمة ، ولا كان يأبى على الناس أن يستمتعوا بأنعم اللّه . وسيرة محمد في ذلك أشدّ إمعانا في قصد السبيل . صحيح أن عيسى كان يدعو الأغنياء إلى البرّ بالفقراء ومحبتهم من غير منّ . والقرآن في هذا وفي الدعوة إليه أبلغ ما عرف البشر ، وقد تأكد القارئ من ذلك عند الكلام عن الزكاة وعن الصدقة ، ما يغنينا عن معاودة القول فيه .
--> ( 1 ) الإسلام والنصرانية من صفحة 122 إلى 125 .