محمد حسين هيكل

357

حياة محمد ( ص )

وحسبنا ردّا على إيرفنج وأمثاله أن القرآن دعا إلى قصد السبيل في كل شيء . بقيت العبارة الأخيرة من كلام إيرفنج : هذه العبارة التي يعيرنا الغرب بمثلها على حين هي عار الغرب ووصمته وجرثومة القضاء على كبريائه وعلى حضارته . يقول إيرفنج : « إن بقاء الهلال حتى اليوم في أوروبا ، حيث كان يوما ما بالغا غاية القوّة ، إنما يرجع إلى اختيار الدول المسيحية الكبرى ، أو يرجع بالأحرى إلى تنافسها . ولعل الهلال باق ليكون دليلا جديدا على أن . « من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ » . من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ « من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ » ، هذه آية الإنجيل يوجهها إيرفنج باسم المسيحية إلى الإسلام . يا عجبا ! لعل لإيرفنج من العذر أنه قالها منذ قرن مضى حيث لم يكن الاستعمار الغربيّ في تعبيرنا ، المسيحي في تعبيره ، قد بلغ من الشره والجشع ومن الأخذ بالسيف ما بلغ اليوم . ولكن الماريشال أللّنبي ، الذي استولى على بيت المقدس في سنة 1918 باسم الحلفاء ، قد قال مثل هذه العبارة إذ نادى عند هيكل سليمان : « اليوم انتهت الحروب الصليبية » . وقال الدكتور بيترسن سميث في كتابه عن سيرة المسيح : « إن هذا الاستيلاء على بيت المقدس كان حربا صليبية ثامنة أدركت المسيحية فيها غايتها » . ولقد يكون من الحق أن هذا الاستيلاء لم ينجح بمجهود المسيحيين ، وإنما نجح بمجهود اليهود الذين سخّروهم ليحققوا حلم إسرائيل القديم فيجعلوا أرض المعاد وطنا قوميّا لليهود . الإسلام لم يأخذ بالسيف « من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ » . لئن صدقت كلمة الإنجيل هذه على قوم لهي أشدّ ما تكون صدقا اليوم على أوروبا المسيحية . أما الإسلام فلم يأخذ بالسيف ؛ ولن يؤخذ لذلك بالسيف . وأوروبا المسيحية قد أخذت بالسيف في العصر الأخير إمعانا في الإباحية والترف مما ينسبه إيرفنج باطلا للإسلام والمسلمين . أوروبا المسيحية تقوم اليوم بالدور الذي قام به المغول والتتار حين اتشحوا ظاهرا برداء الإسلام ثم فتحوا الممالك دون أن يبعثوا بتعاليم الإسلام فيها ، فحقّت عليهم وعلى المسلمين الكلمة ، وكان هذا التدهور والانحلال الذي أصاب الشعوب الإسلامية . وأوروبا المسيحية اليوم أقلّ فضلا من أولئك التتار والمغول . فالممالك التي فتحها هؤلاء سرعان ما دخلت في الإسلام حين رأت عظمته وبساطته . أمّا أوروبا فلا تغزو لتنشر عقيدة ولا لتدعو إلى حضارة . إنما هي تريد استعمارا ، وتريد أن تجعل من العقيدة المسيحية مطية هذا الاستعمار . لذلك لم تنجح الدعابة التبشيرية الأوربية لأنها دعابة غير مخلصة . وهي لم تنجح ولن تنجح في الأمم الإسلامية خاصة ؛ لأن عظمة الإسلام وبساطته وأخذه بحكم العقل والعلم لا تجعل لآية دعاية دينية أملا في النجاح بين أبنائه . « من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ » . هذا حق . وهو إن انطبق على المتأخرين من المسلمين الذين غزوا ليفتحوا الممالك وليستعمروا لا ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم ، لهو اليوم أشدّ انطباقا على هذا الغرب الذي يغزو ويفتح ليذلّ الشعوب ويستعمرها . فأمّا المسلمون الأولون من عهد النبي وخلفائه ومن جاؤوا بعدهم فلم يغزوا للفتح والاستعمار ، وإنما غزوا دفاعا عن عقيدتهم حين هدّدتها قريش وحين هدّدها العرب ، ثم حين هدّدها الروم وهدّدها الفرس . وهم في هذا الغزو لم يفرضوا على أحد دينهم ؛ فلا إكراه في الدين . وهم في هذا الغزو لم يقصدوا إلى الاستعمار ، فقد ترك النبي ملوك العرب وأمراءها على إمارتهم وممالكهم ؛ إنما أرادوا حرية الدعوة للعقيدة . ولما كانت العقيدة الإسلامية قوية بالحق الذي تنادي به ، قوية بأنها لا تجعل فضلا لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، وبأنها لا تجعل لغير اللّه على الإنسان سلطانا ، أسرعت إلى الانتشار في ربوع الأرض