محمد حسين هيكل
355
حياة محمد ( ص )
توالوا على الإمبراطورية الإسلامية منذ انتهاء العهد العباسي ، كما أشرنا في تقديم الطبعة الثانية إلى ما كان من تبدّل من الشورى في الصدر الأوّل إلى ذلك الملك العضوض أيام الأمويين ، فإلى الحق الإلهيّ أيام العباسيين . وبدع الكلمة الآن في شيء من تفصيل ذلك إلى المغفور له الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ؛ إذ يقول في كتاب « الإسلام والنصرانية » ما نصه : أقوال الشيخ محمد عبده « كان الإسلام دينا عربيّا ، ثم لحقه العلم فصار علما عربيّا بعد أن كان يونانيّا ، ثم أخطأ خليفة في السياسة فاتخذ من سعة الإسلام سبيلا إلى ما كان يظنه خيرا له . ظن أن الجيش العربي قد يكون عونا لخليفة علويّ ؛ لأن العلويين كانوا ألصق ببيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم . فأراد أن يتخذ له جيشا أجنبيّا من الترك والديلم وغيرهم من الأمم التي ظن أنه يستعبدها بسلطانه ، ويصطنعها بإحسانه ، فلا تساعد الخارج عليه ولا تعين طالب مكانه من الملك ، وفي سعة أحكام الإسلام ما يبيح له ذلك . هنالك استعجم الإسلام وانقلب عجميّا . « خليفة عباسيّ أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه ، وبئس ما صنع بأمته ودينه . أكثر من ذلك الجند الأجنبي وأقام عليه الرؤساء منه ؛ فلم تكن إلا عشية أو ضحاها حتى تغلّب رؤساء الجند على الخلفاء واستبدّوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم . ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام ، والقلب الذي هذّبه الدين ، بل جاؤوا إلى الإسلام بخشونة الجهل يحملون ألوية الظلم . لبسوا الإسلام على أبدانهم ، ولم ينفذ منه شيء إلى وجدانهم . وكثير منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته ، ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته . ثم عدا على الإسلام آخرون كالتتار وغيرهم ومنهم من تولّى أمره . أيّ عدوّ لهؤلاء أشد من العلم الذي يعرّف الناس منزلتهم ، ويكشف لهم قبح سيرهم ! فمالوا على العلم وصديقه الإسلام ميلتهم ، أمّا العلم فلم يحفلوا بأهله ، وقبضوا عنه يد المعونة . وحملوا كثيرا من أعوانهم أن ينتظموا في سلك العلماء وأن يتسربلوا بسرابيله ليعدّوا من قبيله ، ثم يضعوا للعامة في الدين ما يبغض إليهم العلم ويبعد بنفوسهم عن طلبه . ودخلوا عليهم وهم أغرار من باب التقوى وحماية الدين . زعموا الدين ناقصا ليكملوه ، أو مريضا ليعلّلوه ، أو متداعيا ليدعموه ، أو يكاد أن ينقضّ ليقيموه . « نظروا إلى ما كانوا عليه من فخفخة الوثنية ، وفي عادات من كان حولهم من الأمم النصرانية ، فاستعاروا من ذلك للإسلام ما هو براء منه . لكنهم نجحوا في إقناع العامة بأن في ذلك تعظيم شعائره ، وتفخيم أوامره . والغوغاء عون القائم ، وهم يد الظالم ؛ فخلقوا لنا هذه الاحتفالات ، وتلك الاجتماعات ، وسنّوا لنا من عبادة الأولياء والعلماء والمتشبهين بهم ما فرق الجماعة ، وأركس الناس في الضلالة ، وقرروا أن المتأخر ليس له أن يقول بغير ما يقول المتقدّم ، وجعلوا ذلك عقيدة حتى يقف الفكر وتجمد العقول . ثم بثوا أعوانهم في أطراف الممالك الإسلامية ينشرون من القصص والأخبار والآراء ما يقنع العامة بأنه لا نظر لهم في الشؤون العامة ، وأن كل ما هو من أمور الجماعة والدولة فهو مما فرض فيه النظر على الحكام دون من عداهم ؛ ومن دخل في شيء من ذلك من غيرهم فهو متعرّض لما لا يعنيه ؛ وأن ما يظهر من فساد الأعمال ؛ واختلال الأحوال ، ليس من صنع الحكام وإنما هو تحقيق لما ورد في الأخبار من أحوال آخر الزمان ، وأنه لا حيلة في إصلاح حال ولا مال ، وأن الأسلم تفويض ذلك إلى اللّه ، وما على المسلم إلا أن يقتصر على خاصة نفسه . ووجدوا في ظواهر الألفاظ لبعض الأحاديث ما يعينهم على ذلك ، وفي الموضوعات والضعاف ما شدّ أزرهم في بث هذه الأوهام . وقد انتشر بين المسلمين جيش من هؤلاء المضلّين ، وتعاون ولاة الشر على مساعدتهم في جميع