محمد حسين هيكل

354

حياة محمد ( ص )

هذه الحجج التي قدّمت تدحض ما أوّل به المستشرقون الجبريّة الإسلامية ، وما أوّلوا به ما جاء في القرآن عن القضاء والقدر وكتاب الأجل . وهي تثبت بوجه لا يحتمل أيّ ريب ، أن الإسلام دين سعي وكفاح وجهاد في نواحي الحياة الروحية والعلمية والدينية والدنيوية جميعا ، وأن اللّه كتب في سنّة الكون أن الإنسان إنما يجزى بعمله ، وأنه جلّ شأنه لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون . وهم يظلمون أنفسهم حين يظنون أنهم يصلون إلى رضا اللّه بالقعود والتواكل باسم التوكل على اللّه . المال والبنون والباقيات الصالحات ومع أن هذه الحجج دامغة في الغرض الذي سقتها له ، فإنني لا أستطيع أن أغفل حجة أخيرة اعتبرها بالغة ؛ تلك هي الحجة المستفادة من قوله تعالى : ( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ) « 1 » . فليس شيء في الحياة يحفزنا للعمل والسعي كما يحفزنا كسب الرزق وطلب المال . ففي سبيل اللّه ينفق الأكثرون من الناس أعظم الجهد ويقومون بما يفوق الطاقة أحيانا . ونظرة يلقيها الإنسان على عالمنا الحاضر تنبئ عما يهتز به هذا العالم من دأب ومشقة ، ومن سلم وحرب ، ومن ثورات واضطرابات ، في سبيل المال . في سبيله تقلب الملوكيات جمهوريات ، وفي سبيله تراق الدماء وتزهق الأنفس والبنون ! أفلاذ أكبادنا التي تمشي على الأرض ، أيّة مشقة لا نحتملها من أجلهم ! وأيّ مرّ لا يحلو مذاقه ما دام يؤدي إلى طمأنينتهم وإلى كفالة رخائهم ومجدهم ! ! كل عسير يصبح في جانب سعادتهم يسيرا ، وكل صعب يصبح في سبيل رضاهم سهلا . بل إن من الناس من يستهين في سبيل المال والبنين بما يحسبه مستحيلا عليه لولا المال والبنون . ومن الناس من يبالغ في ذلك ليضحي في سبيله بهناءته ، بل بحياته . ومع ذلك فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا . وليست الزينة شيئا إلى جانب الجوهر . ولا يضحّي بالجوهر في سبيل الزينة إلا الجهلاء والحمقى : إلا المرأة التي تستهين بصحتها لتظهر جميلة سويعة أو سويعات من زمان ، وإلا الشابّ المغرور الذي يضحي بعقله وبكرامته وسط صحب يسخرون منه حين يحسب أنه سيدهم لأنه يبعثر بينهم ماله ، وإلا أمثال هؤلاء من المأفونين الذين يخدعهم المظهر عن الحقيقة ، واليوم عن الغد . والذين يسعون لزينة الحياة من مال وبنين وينسون ما سواهما ليسوا أقل من هؤلاء أفنا وحمقا . فالمال والبنون زينة . أمّا جوهر الحياة فالباقيات الصالحات من أعمال الخير . ولهذه الباقيات الصالحات يجب أن نبذل من السعي والجهد أكثر مما نبذل لزينة الحياة من مال وبنين . أرأيت سمو الغاية التي تصوّرها هذه الآية من الذكر الحكيم ؟ فأنت إذا بذلت جهودك ودمك في سبيل الزينة ؛ وجب أن تبذل روحك وقلبك في سبيل الجوهر ، ووجب أن تخضع الزينة للجوهر ووجب لذلك أن تجعل كل حياتك وكل مالك وكل بنيك مقصودا بها هذا الجوهر من الباقيات الصالحات ، فهي خير عند ربك ثوابا وخير أملا . كيف انقلب تفكير المسلمين كيف انقلب الأمر في تفكير المسلمين من هذا المنطق السليم الواضح إلى اعتقادات لا تتفق معه في شيء ؟ أشرنا إلى ذلك لماما في البحث الأول من هذه الخاتمة حين أشرنا إلى تبدّل الأمر عند المسلمين بحكم الغزاة الذين

--> ( 1 ) سورة الكهف آية 46 .