محمد حسين هيكل
348
حياة محمد ( ص )
الشعب ليدلّ عباده على أن الحقيقة ليست في ملك الأغنياء ولا الأقوياء بل هي في ملك من يبتغي الحق لوجه الحق وحده . والحقيقة الأزلية الخالدة أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وإن أكرمكم عند اللّه أتقاكم ؛ وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ولا تجزون إلا ما كنتم تكسبون . والحقيقة الكبرى أن اللّه حق ، لا إله إلا هو . الموت خاتمة حياة وبدء حياة ؛ خاتمة الحياة الدنيا وبدء الحياة الآخرة . ولسنا نعلم من أمر الحياة الدنيا إلا قليلا . لسنا نعلم إلا ما تتصل به حواسّنا ، وترشدنا إليه عقولنا ، وتكشف لنا عنه قلوبنا . أمّا الحياة الآخرة فلا علم لنا من أمرها إلا ما علّمنا اللّه منه . وسنن الكون فيها غيب علينا ، علمه عند عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . فحسبنا ما ذكر اللّه في كتابه العزيز من أمرها وأنها دار الجزاء ، ولنعدّ أنفسنا في الدار الدنيا بعملنا وبعزمنا أمورنا وبتوكلنا بعد ذلك على اللّه لهذا الجزاء العدل ؛ فأمّا ما وراء ذلك فأمره للّه وحده . أفيرى الذين يلفون لفّ واشنطون إيرفنج من المستشرقين وغير المستشرقين مبلغ خطئهم في تصوير الجبرية الإسلامية ؟ إننا لم نثبت هنا شيئا غير ما ورد في القرآن الكريم ؛ لأننا لا نريد أن نضع الأمر موضع مجادلة في آراء المتكلمين والمتصوّفة وغيرهم من فرق المسلمين وفلاسفتهم . وإيرفنج أبلغ خطأ حين يزعم أن القضاء والقدر وكتاب الأجل إنما نزل ما نزل من القرآن فيه بعد غزوة أحد ومقتل حمزة سيّد الشهداء فيها . فمن الآيات التي اقتبسنا هنا آيات مكية نزلت قبل الهجرة وقبل أن تبدأ غزوات المسلمين . وإنما يقع إيرفنج ومن على شاكلته في هذا الخطأ لأنهم لا يعنّون أنفسهم ببحث مسألة هذا مبلغ خطرها بحثا علميّا دقيقا ، بل يصوّرون لأنفسهم عن الإسلام الفكرة التي تتفق مع ميولهم المسيحية ثم يلفقون لها الدليل بما تهوى أنفسهم ، ظنّا منهم أن دليلهم يقنع قرّاءهم ثم لا يفنده بعدهم أحد . الفكرة الفلسفية في الجبرية الإسلامية ولو أدرك المستشرقون الجبرية الإسلامية على نحو ما صوّرناها هنا لقدّروا فكرتها الفلسفية البالغة غاية السموّ ، العميقة غاية العمق ، والتي تصوّر الحياة تصويرا يصف أدق النظريات العلمية والفلسفيّة التي وصل إليها التفكير في مختلف عصوره ، وما ناله فيها من تطوّر وتقدّم . وهذه الفكرة الفلسفيّة الإسلامية فكرة توفيقية لا تضيق بالجبرية العلمية ، ولا بالعالم كإرادة وتمثّل ، ولا بالتطور المنشئ « 1 » ، بل هي تسلك هذه المذاهب جميعا في نظامها على أنها بعض سنن الكون والحياة . ولئن لم يتّسع المقام هنا لبسط هذه الصورة لأحاولنّ مع ذلك إيجازها بكل ما أستطيع من دقة ووضوح . وأحسب الذين يتلون ما أكتب يوافقونني على أن سموّ الفكرة وانفساح مداها وعمقها قد بلغ الغاية من كل ما نعرف من نظريات حتى اليوم ، وأنها تفسح الطريق إلى ما قد يسمو إليه الفكر الإنساني من بعد . وأريد قبل أن أبدأ هذا الإيضاح الوجيز أن أثبت هنا ملاحظتين أرجو ألّا ينساهما في هذا المقام أحد : أولاهما أنني لا أقصد من ذلك إلى معارضة نظرية مسيحية . فما جاء به عيسى قد أقرّه الإسلام كما ذكرت غير مرة في غضون هذا الكتاب . وإنما جاء الإسلام جامعا ومتّوجا للنبوّات والرسالات التي سبقته . ولقد أثبتت الأناجيل قول المسيح لأصحابه : « ما جئت لأنقض الناموس ولكن جئت لأكمله » . كذلك أثبت القرآن إيمان المسلمين بإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين من قبل . وإنما جاء الإسلام مكملا لما أرسلهم اللّه به ، مصححا لما
--> ( 1 ) الجبرية العلمية ، والعالم كإرادة وتمثل ، والتطور المنشئ ، مذاهب فلسفية غربية يقول بأولها الفلاسفة الواقعيون ، ) positivistes ( ، ويقول شوبنهور بالثاني ، ويقول برجسن بالثالث ، ولا يتسع المقام لشرحها .