محمد حسين هيكل
349
حياة محمد ( ص )
حدث من تحريف أتباعهم الكلم عن مواضعه والثانية أن المذهب الفلسفي الإسلامي الذي استنبطته من القرآن قد سبقني إليه غيري ، ولكن على نحو غير النحو الذي أقرره اليوم ؛ وإنما اهتديت في هذا النحو بهدى القرآن ونهجت فيه نهج الطريقة العلمية الحديثة . فإن وفّقني اللّه للصواب فله جل شأنه الفضل والمنة . وإن جفاني التوفيق في شيء منه كان من أكبر التحدث بنعمة اللّه أن يهديناي أولو العلم إلى ما جفاني التوفيق فيه . وأوّل ما يقرّره القرآن أن للّه في الكون سننا ثابتة لا تحويل لها ولا تبديل . والكون ليس أرضنا وما عليها وكفى ، ولا هو محصور فيما يقع عليه حسّنا من كواكب وأفلاك ، وإنما الكون مجموع ما خلق اللّه من محسوس وغير محسوس ، حاضر وغيب . وحسبك أن تتصوّر هذا لتدرك حقّا أننا لم نؤت من العلم إلا قليلا . فهذا الأثير بيننا وبين الكواكب ، وهذه الكهربا التي تملأ الأثير وتملأ أرضنا ، وهذه الأبعاد الشاسعة التي تفصل بيننا وبين الشمس وما هو أبعد من الشمس من أفلاك . وما وراء الأفلاك التي تبعد عن الشمس بألوف السنين الضوئية ؛ ثم ما وراء ذلك من لا نهايات لا سبيل لخيالنا أن يحيط بها وعند اللّه علمها - هذا كله يجري على سنّة ثابتة لا تتغيّر . وما مع نعرفه من هذا كله معرفة علمية ، على حدّ تعبيرنا اليوم ، قليل يختلط فيه الخيال بالواقع ، ثم يتضاءل الواقع إلى جانب الخيال حتى يبلغ غاية الضالة ، ثم يبقى هذا الواقع مع ذلك غاية ما نعلم وما نقيم عليه أقيستنا وما نقرّر على ضوئه ما نسميه سنن الكون والحياة . ولو أننا أردنا أن نطلق للخيال عنانه لنتصوّر ضالة هذا الذي نعرف لانفسح أمامنا مجال الأمثال بما يضيق عنه هذا المقام . افترض مثلا أن أهل المرّيخ أقاموا عندهم « مذيعا » قوّته مائة مليون كيلوات ليسمعونا أهل الأرض ما يدور عندهم وليرونا إياه من طريق ( التليفيزيون ) أترانا بعد ذلك نستطيع أن نمسك علينا عقولنا ؟ والمرّيخ ليس أبعد الكواكب عنا ولا أشدّها ازورارا عن الاتصال بنا . وهذا الكون الذي لم نؤت من علمه إلا قليلا يؤثّر كلّ ما فيه في وجود أرضنا وما عليها . فلو أنّ واحدا من هذه الأفلاك اختلف بقدر من اللّه مداره ، لتغيّرت سنّة الكون ، ولتغيرت لذلك حياتنا القصيرة الضئيلة المتأثرة بكل ما حولنا ، وبأتفه ما حولنا . وهي أكثر تأثرا وخضوعا بطبيعة الكون لعظائم ما في الكون وجلائله . وهي في تأثرها ذاك قد تسلك سبيل الخير وقد تنحرف عنها . وهي في سلوكها هذه السبيل وفي انحرافها عنها لا تندفع في هذه أو أو تلك من الناحيتين بحكم ما يؤثر فيها من عوامل الحياة وحده ، بل بحكم استعدادها كذلك لتلقّي آثار الحياة ، وسلطانها على ذاتها في تلقي هذه الآثار . ورب عامل معيّن أثر في نفوس كثيرين آثارا مختلفة ، فاندفعت كل واحدة منها إلى ناحية ، كانت إحداها الفيصل بين الخير والشر ، ثم كانت سائرها درجات نحو الخير ودرجات نحو الشر . فما في الحياة من خير أو شرّ إنما هو أثر لما يقع بين عوامل الحياة والنفس الإنسانية من تفاعل . ومن ثمّ كان الخير والشر بعض ما في الكون من آثار سننه الثابتة ، وكان لذلك من مستلزمات وجوده ، كما أن السالب والموجب من مستلزمات وجود الكهربا ، وكما أن وجود بعض المكروبات من مستلزمات الحياة لجسم الإنسان . وليس شيء شرّا لذاته ولا خيرا لذاته ، بل للغاية التي يوجّه إليها ، وللأثر الذي يترتب عليه . فما يكون شرّا أحيانا يكون ضرورة ملحّة وخيرا محضا أحيانا أخرى . ومن المدمّرات التي تستعمل في الحروب لإهلاك ملايين بني الإنسان وتخريب أبدع ما أقام الناس من الآثار ما له أيام السلم أكبر الفائدة . فلو لا الديناميت لتعذّر شق الأنفاق ومدّ السكك الحديدية خلالها ؛ ولتعذّر الكشف عن المناجم التي تحتوي أثمن الكنوز وأنفس الأحجار والمعادن . والغازات الخانقة التي يلقي المحاربون قذائفها على الوادعين من أبناء الأمة التي تحاربهم ،