محمد حسين هيكل

332

حياة محمد ( ص )

وتفضيلا للمال عليه ، وخروجا على النظام الروحي الذي نزل به القرآن ، وارتدادا بذلك عن الإسلام ، فكانت حروب الردّة التي ثبّت بها أبو بكر رسالة الإسلام كاملة ، والتي بقيت فخرا على الأيام . المال والحرص عليه واعتبار الزكاة والصدقة فرضا متصلا بالإيمان ، يجعلهما بعض النظام الروحي الذي يجب أن ينتظم حضارة العالم . وهذا أسمى ما تبلغ إليه الحكمة وما يكفل للناس سعادتهم . فالمال والحرص عليه والإستكثار منه واتخاذه وسيلة لاستعلاء الإنسان على الإنسان ، كان ولا يزال سببا لشقاء العالم ومصدرا للثورات والحروب فيه . وعبادة المال كانت ولا تزال سبب التدهور الخلقي الذي أصاب العالم ، والذي لا يزال العالم يرزح تحت أعبائه . والاستكثار من المال والحرص عليه هو الذي قضى على الإخاء الإنساني ، وجعل الناس بعضهم لبعض عدوّا . ولو أنهم كانوا أصح نظرا وأسمى تفكيرا ، لرأوا الإخاء أدعى للسعادة من المال ، ولرأوا بذل المال للمحتاج أكبر جاها عند اللّه والناس من إذلال الناس لهذا المال . ولو أنهم آمنوا باللّه حقّا لتاخوا فيما بينهم ، ولكان أدنى مظاهر تاخيهم إغاثة الملهوف ، وإعانة المحتاج ، ومحو الشقاء عمّن تجرّ المتربة ويجرّ الفقر عليهم هذا الشقاء . وإذا كانت بعض الدول السامية الحضارة ، في وقتنا الحاضر ، تقيم شعوبها المستشفيات والمنشات الخيرية لإيواء البائس ، والبرّ بالمحروم ، ورعاية الفقير ، باسم الشفقة والإنسانية ، فإن إقامة هذه المنشات بدافع الإخاء والتحابّ في اللّه والشكر له على نعمته أسمى في الفكرة وأدعى إلى سعادة الناس جميعا . قال تعالى : ( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) « 1 » . الحج هذا الإخاء الإنساني يزيد الناس بعضهم لبعض محبة . وليس يجوز في الإسلام أن تقف هذه المحبة عند حدود وطن بالذات ، ولا أن تنتهي إلى حدود قارّة من القارّات ، بل يجب ألا تعرف حدودا البتّة . لذلك يجب أن يتعارف الناس من أطراف الأرض جميعا ، ليزداد بعضهم لبعض في اللّه محبة ، ولتزيدهم محبتهم هذه باللّه إيمانا . ووسيلة ذلك أن يجتمعوا من أطراف الأرض في صعيد واحد . وخير مكان يجتمعون فيه ، إنما هو المكان الذي انبثق فيه نور هذه المحبة ، وهذا المكان هو بيت اللّه بمكة ؛ وهذا هو الحج . والمؤمنون إذ يجتمعون فيه وإذ يؤدون شعائره ، يجب أن تكون حياتهم مثلا أثناءه ساميا للإيمان باللّه وإخلاص القصد في التوجه إليه . يقول تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) « 2 » . في هذا الصعيد الذي يحج المؤمنون إليه ليتعارفوا ، وليرتبطوا بأقوى روابط الإخاء فيزيدهم إخاؤهم إيمانا ، يجب أن تسقط كل الفوارق وألا يكون بين هؤلاء المؤمنين جميعا تفاوت ما ، ويجب أن يشعروا بأنهم جميعا أمام اللّه سواسية ، وأن يتوجهوا إليه بقلوبهم مستجيبين لدعوته ، مؤمنين بوحدانيته ، شاكرين لنعمته . وأيّة نعمة أكبر من نعمة الإيمان به جلّ شأنه مصدر كل خير ونعمة ! أمام نور هذا الإيمان تنقشع أوهام الحياة ، ويزول باطل غرورها من مال وبنين وجاه وسلطان . وبفضل نوره يصل الإنسان إلى إدراك ما في الوجود من حق وخير وجمال ، وما يجري عليه الكون من سنن اللّه الخالدة لا تحويل لها ولا تبديل . وهذا الاجتماع العام

--> ( 1 ) سورة القصص آية 77 . ( 2 ) سورة البقرة آية 197 .