محمد حسين هيكل
333
حياة محمد ( ص )
يحقق معاني الإخاء والمساواة بين المؤمنين جميعا في أوسع صورها وأكثرها سموّا وصفاء . قواعد الخلق في الإسلام هذه قواعد الإسلام وفرائضه كما نزل بها الوحي على محمد عليه السلام . وهي أركان الإيمان كما رأيت في الآيات التي أثبتناها هنا ، وأركان الحياة الروحية الإسلامية . ومن اليسير عليك أن تقدر بعد ذلك ما يمكن أن تقوم على هذا الأساس من قواعد الخلق . هي قواعد سامية غاية السموّ ، بلغت من ذلك ما لا نظير له في أيّة حضارة من الحضارات ولا في أي عصر من العصور . وقد نص القرآن فيها على ما يصل بالإنسان إلى غاية كماله إذا هو هذّب نفسه على موجبها وأدّبها بأدبها . وهي لم ترد في سورة واحدة من سور القرآن ، بل وردت متفرّقة فيه ، فلا تكاد تتلو سورة منه حتى تسمو بنفسك إلى ذروة من الرقيّ لم تبلغها حضارة من قبل ولا يمكن أن تبلغها حضارة من بعد . وحسبك قيام أدب النفس على أساس روحي مصدره الإيمان باللّه ورياضة العقل والقلب على هذا الأساس ، دون النظر إلى أية منفعة ماديّة يجنيها الإنسان من وراء التأدّب بهذا الأدب ، لترى رفعة هذه الذروة التي بلغتها . الرجل الكامل في القرآن لطالما صوّر الكتّاب في مختلف العصور والأمم صورة الرجل الكامل . صوّره الشعراء والكتّاب والفلاسفة والمسرحيون . صوّروا هذه الصورة في العصور القديمة وما يزالون يصورونها حتى اليوم . مع ذلك لن تجد صورة لهذا الرجل الكامل كهذه الصورة الفذة التي وردت في سياق سورة الإسراء ؛ وهي ليست إلا بعض ما أوحى اللّه إلى رسوله من الحكمة ، لا يقصد بها إلى تصوير الرجل الكامل ، وإنما يقصد بها أن يذكر الناس بعض ما يجب عليهم . يقول تعالى : ( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً . رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً . وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً . وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً . وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً . إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً . وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا . وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً . وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا . وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا . وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا . وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا . كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) « 1 » . أيّ سمو بالنفس كهذا السمو ، وأيّ كمال لها كهذا الكمال ، وأيّ طهر للذيل كهذا الطهر ، إن كل آية
--> ( 1 ) سورة الإسراء الآيات من 23 إلى 38 .