محمد حسين هيكل

324

حياة محمد ( ص )

المختلفة . ولم يقف أمر هذا التفكير عند التاريخ وكتابته ، بل أقامت بعض مذاهب الفلسفة الغربية قواعد الخلق على أسس نفعية مادية بحتة . ومع ما بلغته هذه المذاهب من براعة في التفكير وقوّة في الابتكار ، لقد أمسكها التطوّر الفكري في الغرب في حدود المنفعة المادية المشتركة ، تقيم عليها قواعد الخلق جميعا ، وترى ذلك من المقتضيات المحتومة للبحث العلمي . فأمّا المسألة الروحية فهي في نظر الحضارة الغربية مسألة فردية صرفة ، فلا محلّ لأن يعنى الناس أنفسهم جماعة بها . ومن ثمّ كانت الإباحة في العقيدة بعض ما قدّسه أهل الغرب ، وكانوا أشدّ تقديسا لها من تقديسهم الإباحة في الخلق ؛ وهم أشدّ تقديسا للإباحة في الخلق منهم لحرية الحياة الاقتصادية المقيدة بالقانون تقييدا ينفذه الجندي وتنفذه الدولة بكل ما أوتيت من قوّة . قصور الحضارة الغربية عن إسعاد الإنسانية في اعتقادي أن حضارة تجعل الحياة الاقتصادية أساسا ، وتقيم قواعد الخلق على أساس هذه الحياة الاقتصادية ، ولا تقيم للعقيدة وزنا في الحياة العامة ، تقصر عن أن تمهّد للإنسانية سبيل سعادتها المنشودة . بل إن هذا التصوير للحياة لجدير أن يجرّ على الإنسانية ما تعانيه من محن في هذه العصور الأخيرة ، جدير أن يجعل كل تفكير في منع الحرب وفي توطيد أركان السلام في العالم قليل الجدوى غير مرجوّ الثمرة . فما دامت صلتي بك أساسها الرغيف الذي آكل أنا أو تأكل أنت وتنازعنا عليه ونضالنا في سبيله ، قائمة بذلك على أساس القوّة الحيوانية في كلّ منا ، فسيظل كلّ منا يرقب الفرصة التي يحسن فيها الاحتيال للحصول على رغيف صاحبه ؛ وسيظلّ كلّ منا ينظر إلى الآخر على أنه خصمه لا على أنه أخوه ، وسيظلّ الأساس الخلقي الكمين في النفس أساسا حيوانيّا بحتا ، وإن بقي كمينا حتى تدفع الحاجة إلى ظهوره ، وستظل المنفعة وحدها قوام هذا الأساس الخلقي ، على حين تنزلق عليه المعاني الإنسانية السامية والمبادئ الخلقية الكريمة ، مبادئ الإيثار والمحبة والأخوّة ، فلا يكاد يمسكها ولا تكاد تعلق به . وما هو واقع في العالم اليوم خير مصداق عملي لما أذكر ؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي ، وهما لذلك أوّل مظهر لحضارة الغرب . وهما كذلك في المذهب الفرديّ وفي المذهب الاشتراكي على سواء . في المذهب الفردي ينافس العامل العامل ، وينافس رب المال رب المال ، والعامل ورب المال فيه خصمان يتنافسان . وأرباب هذا المذهب يرون في هذا التنافس وهذا النضال كلّ خير للإنسانية ولتقدّمها . فهما عندهم الحافز للإتقان والحافز لتقسيم العمل ، وهما المعيار العادل لتوزيع الثروة . أمّا المذهب الاشتراكي فيرى في نضال الطوائف ، نضالا يفنيها جميعا حتى يردّ الأمر كله للعمال ، بعض ما تحتمه الطبيعة ، وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة ، وما دام النضال بين الطوائف طبيعيّا ، فالنضال بين الأمم طبيعي كذلك ، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف . ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثرا محتوما بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي . أمّا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيّ ، أمّا والاستعمار لذلك طبيعيّ أيضا ، فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقرّ السلام في العالم ؟ ! لقد شهدنا في هذا القرن المتمم للعشرين المسيحي وما نزال نشهد البينات على أن السلام في عالم هذا أساس حضارته حلم لا سبيل إلى تحقيقه ، وأمنية معسولة ، ولكنها سراب كذوب . أساس الحضارة الإسلامية تقوم الحضارة الإسلامية على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الغربية ؛ فهي تقوم على أساس روحي يدعو الإنسان إلى حسن إدراك صلته بالوجود ومكانه منه قبل كل شيء . فإذا بلغ من هذا الإدراك حد