محمد حسين هيكل
325
حياة محمد ( ص )
الإيمان ، دعاه إيمانه إلى إدامة تهذيب نفسه وتطهير فؤاده ، وإلى تغذية قلبه وعقله بالمبادئ السامية : مبادئ الإباء والأنفة والأخوة والمحبة والبر والتقوى . وعلى أساس هذه المبادئ ينظّم الإنسان حياته الاقتصادية . هذا التدرّج هو أساس الحضارة الإسلامية كما نزل الوحي بها على محمد . فهي حضارة روحية أولا . والنظام الروحي فيها هو أساس النظام التهذيبي وأساس قواعد الخلق . والمبادئ الخلقية هي أساس النظام الاقتصادي ، فلا يجوز أن يضحّى بشيء من مبادئ الخلق في سبيل التنظيم الاقتصادي . هذا التصوير الإسلامي للحضارة هو في يقيني التصوير الجدير بالإنسانية الكفيل بسعادتها . ولو أنه استقر في النفوس ، وانتظم الحياة انتظام الحضارة الغربية اليوم إياها ، لتبدّلت الإنسانية غير الإنسانية ، ولانهارت مبادئ يؤمن الناس اليوم بها ، ولقامت مبادئ سامية تكفل معالجة أزمات العالم الحاضر على هدى نورها . والناس اليوم في الغرب والشرق يحاولون حل هذه الأزمات دون أن يتنبه أحد منهم ، ودون أن يتنبه المسلمون أنفسهم إلى أن الإسلام كفيل بحلّها ؛ فأهل الغرب يتلمسون اليوم جدة روحية تنقذهم من وثنية تورطوا فيها ، وكانت سبب شقائهم وعلّة ما ينشب من الحروب بينهم ؛ تلك عبادة المال . وأهل الغرب يتلمسون هذه الجدة في مذاهب الهند والشرق الأقصى على حين هي قريبة منهم ؛ يجدونها مقرّرة في القرآن ، مصورة خير صورة فيما ضربه النبيّ العربي للناس من مثل أثناء حياته . لست أطمع في أن أصور هنا هذه الحضارة الإسلامية ونظامها ؛ فهذا التصوير يقتضي بحثا مستفيضا ، ويستغرق كتابا في حجم هذا الكتاب أو أكثر منه ؛ وإنما أريد أن أجمل صورة هذه الحضارة ، بعد أن أشرت إلى الأساس الروحي الذي تقوم عليه ، لعلي بذلك أصوّر الدعوة المحمدية في مجموعها وأمهّد بهذا التصوير لمباحث أكثر استفاضة وعمقا . وإني ليجمل بي قبل ذلك أن أشير إلى أن تاريخ الإسلام خلا من النزاع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية أي بين الكنيسة والدولة ، فأنجاه ذلك مما ترك هذا النزاع في تفكير الغرب وفي اتجاه تاريخه . وترجع نجاة الإسلام من هذا النزاع وآثاره إلى أنه لم يعرف شيئا اسمه الكنيسة أو السلطة الدينية على نحو ما عرفت المسيحية . فليس لأحد من المسلمين ، ولو كان خليفة ، أن يفرض أمرا على الناس باسم الدين ، وأن يزعم أنه قدير مع ذلك على الغفران لمن خالف هذا الأمر . وليس لأحد من المسلمين ، ولو كان خليفة ، أن يفرض على الناس غير ما فرضه اللّه في كتابه . بل المسلمون أمام اللّه سواسية ، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى . وليس لوليّ الأمر على مسلم طاعة في معصية ولا فيما لم يأمر اللّه به . يقول أبو بكر الصديق حين خطب المسلمين يوم بايعوه بالخلافة : أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله . فإن عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم . ومع ما آل إليه الأمر في الإسلام بعد ذلك من ملك عضوض ، ومع ما قام بين المسلمين من ثورات أهلية ، لقد أقام المسلمون على تمسكهم بهذه الحرية الذاتية العظيمة التي قررها لهم دينهم ؛ هذه الحرية التي جعلت العقل حكما في كل شيء ، والتي جعلته حكما في الدين وفي الإيمان نفسه . لقد تمسكوا بهذه الحرية حتى بعد أن ادعى أمراء المؤمنين أنهم خلفاء اللّه لا خلفاء رسوله على الأرض ، وأنهم يملكون من أمر المسلمين كل شيء حتى الحياة والموت . يشهد بذلك ما حدث في عصر المأمون حين اختلف على القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فقد خالف الكثيرون رأي الخليفة مع علمهم بما يستهدف له المخالف من عقاب وغضب . جعل الإسلام العقل حكما في كل شيء ، وجعله حكما في الدين وفي الإيمان نفسه . يقول تعالى : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) « 1 » .
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 171 .