محمد حسين هيكل
323
حياة محمد ( ص )
خاتمة في مبحثين 1 - الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن الحضارتان الإسلامية والغربية خلّف محمد هذا الميراث الروحي العظيم الذي أظلّ العالم ووجّه حضارته خلال عدة قرون مضت ، والذي سيظلّه من بعد ويوجه حضارته حتى يتم اللّه في العالم نوره . وإنما كان لهذا الميراث كل هذا الأثر فيما مضى ، وسيكون له مثله وأكثر منه من بعد ، لأنه أقام دين الحق ووضع أساس حضارة هي وحدها كفيلة بسعادة العالم . والدّين والحضارة اللذان بلّغهما محمد للناس بوحي ربه ، يتزاوجان حتى لا انفصال بينهما . ولئن قامت هذه الحضارة الإسلامية على أساس من قواعد العلم وهدى العقل ، واستندت في ذلك إلى ما تستند إليه الحضارة الغربية في عصرنا الحاضر ؛ ولئن استند الإسلام من حيث هو دين إلى التفكير الذاتي ، وإلى المنطق التجريدي ( الميتافيزيقي ) - إن الصلة مع ذلك وثيقة بين الدين ومقرّراته والحضارة وأساسها . ذلك بأن الإسلام يربط بين التفكير المنطقي والشعور الذاتي ، وبين قواعد العقل وهدى العلم ، برابطة لا مفرّ لأهله من البحث عنها والاهتداء إليها ليظلّوا مسلمين وطيدا إيمانهم . وحضارة الإسلام تختلف من هذه الناحية عن الحضارة الغربية المتحكمة اليوم في العالم ، كما تختلف عنها في تصوير الحياة والأساس الذي يقوم هذا التصوير عليه . وهذا الاختلاف بين الواحدة والآخرى من هاتين الحضارتين جوهريّ إلى الحدّ الذي يجعل أساس كل واحدة منهما نقيض الأساس الذي تقوم عليه الآخرى . الغرب وتنازع الكنيسة والدولة فيه يرجع هذا الاختلاف إلى أسباب تاريخية ، أشرنا إليها في تقديم هذا الكتاب وفي تقديم طبعته الثانية . فقد أدّى النزاع في الغرب المسيحي بين السلطتين الدينية والزمنية - وبعبارة هذا العصر : بين الكنيسة والدولة - إلى الفصل بينهما وإلى إقامة سلطان الدولة على إنكار سلطان الكنيسة . وكان لهذا التنازع على السلطان أثره في التفكير الغربي كله . وفي مقدّمة النتائج التي ترتبت على هذا الأثر ما كان من تفريق بين الشعور الإنساني والعقل الإنساني ، وبين منطق العقل المجرّد ومقررات العلم الواقعي المستندة إلى الملاحظة المادّية . وكان لانتصار التفكير الماديّ أثره البالغ في قيام النظام الاقتصادي أساسا رئيسيا للحضارة الغربية . فقد نشأ من ذلك أن قامت في الغرب مذاهب تريد أن تجعل كل ما في عالمنا خاضعا لحياة هذا العالم الاقتصادي ، كما أراد غير واحد أن يضع تاريخ الإنسانية في أديانها وفنّها وفلسفتها وتفكيرها وعلمها بوحي ما كان من مدّ أو جزر اقتصادي في أممها