محمد حسين هيكل
312
حياة محمد ( ص )
اشتداد الحمى وخروجه إلى المسجد وزادت به الحمى في الأيام الأولى من مرضه ، حتى لكان يشعر كأن به منها لهبا . لكن ذلك لم يكن يمنعه ساعة تنزل الحمى من أن يمشي إلى المسجد ليصلي بالناس . وظلّ على هذا عدّة أيام ، لا يزيد على الصلاة ولا يقوى على محادثة أصحابه ولا خطابهم ، وإن لم يحل ذلك دون أن يصل الهمس إلى أذنه بما يقول الناس إنه أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار لغزو الشام . ومع أنه كان يزداد وجعه كلّ يوم شدّة ، لقد شعر من هذا الهمس بضرورة التحدّث إلى الناس حتى يعهد إليهم ؛ فقال لأزواجه وأهله : « هريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتّى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم » . وجئ بالماء من آبار مختلفة ، وأقعده أزواجه في مخضب « 1 » لحفصة ، وصببن عليه ماء القرب السبع حتى طفق يقول : حسبكم حسبكم . ولبس ثيابه وعصب رأسه وخرج إلى المسجد وجلس على المنبر ، فحمد اللّه ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر من الصلاة عليهم ، ثم قال : « أيها الناس أنفذوا بعث أسامة . فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله . وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها » . وسكت محمد هنيهة خيّم الصمت على الناس أثناءها . ثم عاد إلى الحديث فقال : « إن عبدا من عباد اللّه خيّره اللّه بين الدنيا والآخرة وبين ما عنده فاختار ما عند اللّه » . وسكت محمد من جديد والناس كأنما على رؤسهم الطير . لكن أبا بكر أدرك أن النبي إنما يعني بهذه العبارة الأخيرة نفسه ، فلم يستطع لرقّة وجدانه وعظيم صداقته للنبي أن يمسك عن البكاء ، فأجهش وقال : بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا ! وخشي محمد أن تمتد عدوى التأثر من أبي بكر إلى الناس ، فأشار إليه قائلا : على رسلك يا أبا بكر . ثم أمر أن تقفل جميع الأبواب المؤدية إلى المسجد إلا باب أبي بكر فلمّا أقفلت قال : « إني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه . وإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع اللّه بيننا عنده » . ونزل محمد عن المنبر يريد أن يعود بعد ذلك إلى بيت عائشة ، على أنه لم يلبث أن التفت إلى الناس وقال : إيصاؤه المهاجرين بالأنصار « يا معشر المهاجرين استوصوا خيرا ؛ فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد . وإنهم كانوا عيبتي « 2 » التي أويت إليها ، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم » . ودخل محمد بيت عائشة . لكن المجهود الذي أنفقه يومئذ وهو في مرضه قد كان من شأنه أن زاد وطأة المرض شدّة . وأي مجهود بالنسبة لمريض تساوره الحمى يخرج بعد أن تصبّ عليه سبع قرب من الماء ، ويخرج تثقله أكبر الشواغل : جيش أسامة ، ومصير الأنصار من بعده ، ومصير هذه الأمة العربية التي ربط الدين الجديد بأقوى الأواصر وأمتن الروابط بينها . لذلك حاول أن يقوم في غده ليصلي بالناس كما عوّدهم ، فإذا هو لا يقدر . إذ ذاك قال : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس . وكانت عائشة تحرص على أن يؤدّي النبيّ الصلاة لما في ذلك من مظهر الصحة ، فقالت : إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن . قال محمد : مروه فليصل بالناس ، فكررت عائشة قولها . فصاح محمد بها والمرض يهزّه : إنّكن صواحب يوسف ! مروه فليصلّ بالناس . وصلى أبو بكر بالناس كأمر النبي . وإنه لغائب يوما إذ دعا بلال إلى الصلاة ونادى عمر أن يصلي بالناس مكان أبي بكر . وكان عمر جهير الصوت ؛ فلما كبّر في المسجد سمعه محمد من بيت عائشة
--> ( 1 ) المخضب : الطست . ( 2 ) عيبتي : خاصتي وموضع سري . والعرب تكنى عن القلوب والصدور بالعياب ، لأنها مستودع السرائر ومستودع الثياب .