محمد حسين هيكل

313

حياة محمد ( ص )

فقال : « فأين أبو بكر ؟ يأبى اللّه ذلك والمسلمون » . ومن هنا ظنّ بعضهم أن النّبيّ استخلف أبا بكر من بعده أن كانت الصلاة بالناس أول مظهر للقيام مقام رسول اللّه . ابنته فاطمة وحديثه لها وبلغت به شدة المرض حدّا آلمه . ذلك أن الحمّى زادت به حتى لقد كانت عليه قطيفة ، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم من فوقها شعروا بحرّ هذه الحمّى المضنية . وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم ، وكان يحبها ذلك الحب الذي يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبه . لذلك كانت إذا دخلت على النبقّي قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه . فلمّا بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت عليه فقبّلته ؛ فقال : مرحبا بابنتي ، ثم أجلسها إلى جانبه وأسرّ إليها حديثا فبكت ، ثم أسرّ إليها حديثا آخر فضحكت . فسألتها عائشة في ذلك ؛ فقالت : ما كنت لأفشي سرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . فلمّا مات ذكرت أنه أسرّ إليها أنه سيقبض في مرضه هذا فبكت ، ثم أسرّ أنها أول أهله يلحقه ، فضحكت . وكانوا لاشتداد الحمّى به يضعون إلى جواره إناء به ماء بارد ، فما يزال يضع يده فيه ويمسح بها على وجهه . وكانت الحمّى تصل به حتى يغشى عليه أحيانا ثم يفيق وهو يعاني منها أشد الكرب ؛ حتى قالت فاطمة يوما وقد حزّ الألم في نفسها لشدة ألم أبيها : واكرب أبتاه ! فقال : لا كرب على أبيك بعد اليوم . يريد أنه سينتقل من هذا العالم عالم الأسى والألم . أراد أن يكتب لهم كتابا فاختلفوا وحاول أصحابه يوما تهوين الألم على نفسه ، فذكروا له نصائحه ألا يشكو المريض . فأجابهم : إن ما به أكثر مما يكون في مثل هذه الحال برجلين منهم . وفيما هو في هذه الشدّة وفي البيت رجال قال : « إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا » . قال بعض الحاضرين : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قد غلبه الوجع ، وعندكم القرآن ، وحسبنا كتاب اللّه . ويذكرون أن عمر هو الذي قال هذه المقالة . واختلف الحضور ، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده . ومنهم من يأبى ذلك مكتفيا بكتاب اللّه ، فلمّا رأى محمد خصومتهم قال : قوموا ! ما ينبغي أن يكون بين يدي النبيّ خلاف . وما فتئ ابن عباس بعدها يرى أنهم أضاعوا شيئا كثيرا بأن لم يسارعوا إلى كتابه ما أراد النبيّ إملاءه . أمّا عمر فظلّ ورأيه ، أن قال اللّه في كتابه الكريم : ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) « 1 » . وتناقل الناس ما بلغ من اشتداد المرض بالنبي ، حتى هبط أسامة وهبط الناس معه الجرف إلى المدينة . ودخل أسامة على النبيّ في بيت عائشة ، فإذا هو قد أصمت « 2 » فلا يتكلم . فلما بصر بأسامة جعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على أسامة علامة ادّعاء له . غضبه لمعالجة أهله إياه ورأى أهله وهذه حاله أن يسعفوه بعلاج ، فأعدّت أسماء قريبة ميمونة شرابا كانت عرفت أثناء مقامها بالحبشة كيف تعدّه ، وانتهزوا فرصة إغماءة من إغما آت الحمّى فصبّوه فيه . فلما أفاق قال : من صنع هذا ؟ ولم فعلتموه ؟ ! . قال عمه العبّاس : خشينا يا رسول اللّه أن تكون بك ذات الجنب . قال : ذلك داء ما كان اللّه عزّ وجلّ ليقذفني به ! . ثم أمر بمن في الدار ، خلا عمّه العباس ، أن يتناولوا هذا الدواء لم تستثن منهم ميمونة على رغم صيامها .

--> ( 1 ) سورة الأنعام آية 38 . ( 2 ) أصمت العليل : اعتقل لسانه .