محمد حسين هيكل

311

حياة محمد ( ص )

فيه . أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها ، الآخرة شرّ من الأولى » . حدّث أبو مويهبة أن النبيّ قال له أوّل ما بلغنا بقيع الغرقد : « إني أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي » . فلمّا استغفر لهم وآن له أن يؤوب ، أقبل على أبي مويهبة فقال له : « يا أبا مويهبة ، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة ، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة » . قال أبو مويهبة : بأبي أنت وأمي ! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة . قال محمد : « لا واللّه يا أبا مويهبة ! لقد اخترت لقاء ربي والجنّة » . تحدّث أبو مويهبة بما رأى وما سمع ؛ لأنّ النبيّ بدأ يشكو المرض غداة تلك الليلة التي زار فيها البقيع ، فاشتد خوف الناس ولم يتحرّك جيش أسامة . صحيح أن هذا الحديث الذي يروى عن أبي مويهبة يلقاه بعض المؤرخين بشيء من الشك ، ويذكرون أن مرض محمد لم يكن وحده هو الذي حال دون تحرّك الجيش إلى فلسطين ، وأن تذمّر الكثيرين من تعيين حدث كأسامة على رأس جيش يضم جلّة المهاجرين الأوّلين والأنصار ، كان أكبر من مرض محمد في عدم تحرّك الجيش أثرا . وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون في تدوين رأيهم هذا على وقائع يتلوها القارئ في هذا الفصل . وإذا كنا لا نناقش أصحاب هذا الرأي رأيهم في تفاصيل هذا الذي روى أبو مويهبة ، فإننا لا نرى مسوّغا لإنكار الحادث من أساسه ، وإنكار ذهاب النبيّ إلى بقيع الغرقد واستغفاره لأهل المقابر من ساكنيه ودقة إدراكه اقتراب ساعته ، ساعة ، ساعة الدنو من جوار اللّه . فالعلم لا ينكر في عصرنا الحاضر مناجاة الأرواح على أنها بعض المظاهر النفسية ) Psychique ( . ودقّة الإدراك لدنوّ الأجل يؤتاها الكثيرون حتى ليستطيع أي إنسان أن يقص مما عرف من وقائع ذلك شيئا غير قليل . ثم إن هذه الصلة بين الأحياء والموتى ، وهذه الوحدة بين الماضي والمستقبل ، وحدة لا يحدّها زمان ولامكان ، قد أصبحت مقررة اليوم وإن كنا بطبيعة تكويننا نقصر عن استجلاء صورتها . فإذا كان ذلك بعض ما نرى اليوم وبعض ما يقرّه العلم ، فلا محلّ لإنكار هذا الحادث الذي روى أبو مويهبة من أسامة ، ولا محل لهذا الإنكار بعد الذي ثبت من اتصال محمد النفسيّ والرّوحيّ بعوالم الكون اتصالا يجعله يدرك من أمره أضعاف ما يدرك الموهوبون في هذه الناحية . يداعب عائشة على رغم مرضه وأصبح محمد في الغداة ومرّ بعائشة ، فوجدها تشكو صداعا في رأسها وتقول : وا رأساه . فقال لها وقد بدأ يحسّ ألم المرض : بل أنا واللّه يا عائشة وا رأساه . لكن شكوه لم يكن قد اشتدّ إلى الحدّ الذي يلزمه الفراش ، أو يحول بينه وبين ما عوّد أهله وأزواجه من تلطّف ومفاكهة . وكرّرت عائشة الشكوى من صداعها حين سمعته يشكو ؛ فقال لها وما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك وكفنتك وصلّيت عليك ودفنتك ! وأثارت هذه الدّعابة غيرة الأنوثة في نفس عائشة الشابة كما أثارت عندها حبّ الحياة والحرص عليها ، فأجابت : « ليكن ذلك حظّ غيري . واللّه لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك » . وتبسّم النبيّ وإن لم يمكّنه الألم من متابعة الدعابة ، فلمّا سكن عن الألم بعض الشيء قام يطوف بأزواجه كما عوّدهن . لكن الألم جعل يعاوده وتزداد به شدّته ، حتى إذا كان في بيت ميمونة لم يطق مغالبته ، ورأى نفسه في حاجة إلى التمريض . هنالك دعا نساءه إليه في بيت ميمونة واستأذنهنّ ، بعد أن رأين حاله ، أن يمرّض في بيت عائشة . وأذن له أزواجه في الانتقال ؛ فخرج عاصبا رأسه ، يعتمد في مسيرته على عليّ بن أبي طالب وعلى عمه العباس ، وقدماه لا تكادان تحملانه حتى دخل بيت عائشة .