محمد حسين هيكل

307

حياة محمد ( ص )

« أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه . تعلّمنّ أنّ كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسي منه ، فلا تظلمنّ أنفسكم . « اللهم هل بلغت ! » . كان النبي يقول هذا وربيعة يردّده من بعده مقطعا مقطعا ، ويسأل الناس أثناء ذلك ليحتفظ بيقظة أذهانهم . فكان النبيّ يكلّفه أن يسألهم مثلا : إن رسول اللّه يقول . هل تدرون أي يوم هذا ؟ فيقولون : يوم الحج الأكبر . فيقول النبي : قل لهم إن اللّه قد حرّم كلامه وقال : اللهم هل بلّغت ، أجاب الناس من كل صوب . نعم . فقال : « اللّهم اشهد » . اليوم أكملت لكم دينكم ولما أتم النبي خطابه نزل عن ناقته القصواء ، وأقام حتى صلى الظهر والعصر ثم ركبها حتى الصّخرات ، وهناك تلا عليه السلام على الناس قول اللّه تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً « 1 » . فلما سمعها أبو بكر بكى أن أحس أن النبي وقد تمت رسالته قد دنا يومه الذي يلقى فيه ربه . وترك النبي عرفات وقضى ليله بالمزدلفة ، ثم قام في الصباح فنزل بالمشعر الحرام ؛ ثم ذهب إلى منى وألقى في طريقه إليها الجمرات ، حتى إذا بلغ خيامه نحو ثلاثا وستين ناقة ، واحدة عن كل سنة من سني حياته ، ونحر عليّ ما بقي من الهدي المائة التي ساق النبي منذ خروجه من المدينة . ثم حلق النبيّ رأسه وأتم حجه . أتم هذا الحج الذي يسميه بعضهم حجّة الوداع ، وآخرون حجّة البلاغ ، وغيرهم حجّة الإسلام . وهي في الحق ذلك كله ؛ فقد كانت حجة الوداع ، رأى فيها محمد مكة والبيت الحرام للمرة الأخيرة . وكانت حجة الإسلام ، أكمل اللّه فيها للناس دينه وأتم عليهم نعمته . وكانت حجة البلاغ ، أتم النبي فيها بلاغة للناس ما أمره اللّه ببلاغه . وما محمد إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون .

--> ( 1 ) سورة المائدة آية 3 .