محمد حسين هيكل
308
حياة محمد ( ص )
الفصل الثلاثون مرض النبي ووفاته تفكيره في غزو الروم - جيش أسامة - بدء مرض النبي - ذهابه إلى مقابر المسلمين وصلاته على أهل أحد - شكواه من وجع رأسه - الحمى - أمره أبا بكر أن يصلي بالناس - صحو الموت - اختيار الرفيق الأعلى . حجة الوداع تمّت حجّة الوداع وآن لعشرات الألوف ممن صحبوا النّبي فيها أن يعودوا إلى ديارهم ، فأنجد منهم أهل نجد ، وأتهم أهل تهامة ، وانحدر إلى الجنوب أهل اليمن وحضرموت وما حاذاها . وسار النبي وأصحابه ميممين المدينة حتى إذا بلغوها أقاموا بها في أمن من شبه الجزيرة كلها ، وفي تفكير متصل من جانب محمد في أمر البلاد الخاضعة للروم والفرس بالشام ومصر والعراق . فهو قد أمن من ناحية شبه جزيرة العرب جمعاء بعد أن دخل الناس في دين اللّه أفواجا ، وبعد أن جعلت الوفود تقبل تترى إلى يثرب تعلن الطاعة وتتفيأ ظلالها تحت لواء الإسلام ، وبعد أن انحاز العرب جميعا إليه في حجّة الوداع . وكيف لا يخلص ملوك العرب في ولائهم للنبيّ ولدينه ولم يبق لهم أحد ما أبقاه لهم النبيّ الأميّ من سلطان واستقلال ذاتي . أو لم يبق بدهان عامل فارس على أرض اليمن في ملكه حين أعلن بدهان إسلامه وحرص على وحدة العرب وألقى نير المجوس ؟ ولم يكن ما يقوم به بعضهم في أنحاء من شبه الجزيرة من حركات تشبه الانتقاض ليستغرق من النبي شيئا من التفكير أو ليثير في نفسه شيئا من المخاوف ، بعد أن انبسط سلطان الدين الجديد على كل الأنحاء ، وعنت الوجوه للحيّ القيوم ، وآمنت القلوب باللّه الواحد القهار . مدعو النبوة طليحة والأسود ومسيلمة لذلك لم يثر قيام الذين قاموا إذ ذاك يدّعون النبوّة عناية محمد ولا اهتمامه . صحيح أن بعض القبائل القاصية عن مكة كانت تسرع ، بعد الذي عرفت عن محمد ونجاح دعوته ، إلى الاستماع لمدّعي النبوّة من أهل قبيلتهم ، وتودّ لو يكون لها من الحظ ما أوتيت قريش ، وأن هذه القبائل كانت لبعدها عن مقرّ الدين الجديد لا تعرف كل أمره . لكن الدعوة الحق إلى اللّه كانت قد تأصلت في بلاد العرب ، فلم تكن مقاومتها أمرا يسيرا . وما لاقى محمد في سبيل هذه الدعوة كان قد انتشر في الآفاق خبره ، ولم يكن مستطاعا لغير ابن عبد اللّه احتماله . وكل إدّعاء أساسه البهتان لا مفرّ أن ينكشف سريعا بهتانه . فكل إدّعاء للنبوّة لم يكن مقدّرا له أي نجاح ذي بال . قام طليحة ، زعيم بني أسد وأحد أشاوس العرب في الحرب ومن ذوي السلطان بنجد ، وزعم