محمد حسين هيكل
300
حياة محمد ( ص )
وقضى عليه وهو في بيت امرأة من بني سلول ؛ قضى عليه وهو يردّد : « يا بني عامر ! أغدّة كغدّة البعير وموتة في بيت سلوليّة ! » . أمّا أربد بن قيس فقد أبى أن يسلم وعاد إلى بني عامر ولم يطل به المقام بل أحرقته صاعقة حين خرج على جمل له يبيعه . ولم يمنع إباء عامر وأربد قومهما من أن يسلموا . ومن هؤلاء بل هو شرّ منهم مكانا مسيلمة بن حبيب ؛ فقد جاء في وفد بني حنيفة من أهل اليمامة وخلّفه القوم على رحاهم وذهبوا إلى رسول اللّه فأسلموا وأعطاهم النبيّ ، فذكروا له مسيلمة ، فأمر له بمثل ما أمر للقوم ، وقال : أما إنه ليس بشرّكم مكانا ؛ وذلك لحفظه رحال أصحابه . فلمّا سمع مسيلمة قولهم ادّعى النبوة ، وزعم أن اللّه أشركهن مع محمد في الرسالة ، وجعل يسجع لقومه ويقول لهم فيما يقول محاولا مضاهاة القرآن : « لقد أنعم اللّه على الحبلى . أخرج منها نسمة تسعى . من بين صفاق وحشا » : وأحلّ مسيلمة الخمر والزنا ، ووضع عن قومه الصلاة ، وانطلق يدعو الناس إلى تصديقه . فأمّا من عدا هؤلاء من العرب فأقبلوا يدخلون في دين اللّه أفواجا من أطراف شبه الجزيرة ، وعلى رأسهم رجال من أعزّ الرجال من أمثال عديّ بن حاتم وعمر بن معدي كرب . وبعث ملوك حمير رسولا بكتاب منهم إلى النبي يعلنون فيه إسلامهم فأقرّهم عليه وكتب إليهم بما لهم وما عليهم في شرع اللّه . فلما انتشر الإسلام في جنوب شبه الجزيرة ، بعث محمد من السابقين إلى الإسلام من يفقههم في دينهم ويثّبتهم فيه . تسمية وفود العرب إلى النبي لم نطل الوقوف عند وفود العرب إلى النبي كما فعل بعض الأقدمين من كتّاب السيرة ، لتشابه أمرهم في الانضواء تحت راية الإسلام . ولقد أفرد ابن سعد في طبقاته الكبرى لوفادات العرب على الرسول خمسين صفحة كبيرة ، نكتفي بأن نذكر منها أسماء القبائل والبطون التي أوفدتها . فقد جاءت وفود من : مزينة ، وأسد ، وتميم ، وعبس ، وفزارة ، ومرّة ، وثعلبة ، ومحارب ، وسعد بن بكر ، وكلاب ، ورؤاس بن كلاب . وعقيل بن كعب ، وجعدة ، وقشير بن كعب ، وبني البكّاء ، وكنانة ، وأشجع ، وباهلة ، وسليم ، وهلال بن عامر ، وعامر بن صعصعة ، وثقيف . وجاءت وفود ربيعة من : عبد القيس ، وبكر بن وائل ، وتغلب ، وحنيفة ، وشيبان . وجاء من اليمن وفد من طيئ ، وتجيب ، وخولان ، وجعفيّ ، وصداء ، ومراد ، وزبيد ، وكنده ، والصّدف ، وخشين ، وسعد هذيم ، وبليّ ، وبهراء ، وعدرة ؛ وسلامان ، وجهينة ، وكلب ، وجرم ، والأزد ، وغسّان ، والحارث بن كعب ، وهمدان ، وسعد العشيرة ، وعنس ، والداريين ، والرّهاويين ( حي من مذجح ) ، وغامد ، والنّخع ، وبجيلة ، وخثعم ، والأشعرين ، وحضرموت ، وأزد عمان ، وغافق ، وبارق ، ودوس ، وثمالة ، والحدان ، وأسلم ، وجذام ، ومهرة ، وحمير ، ونجران ، وجيشان . وكذلك لم يبق في شبه الجزيرة بطن أو قبيلة حتى أسلم إلا من قدمنا . وكان ذلك شأن المشركين من أهل شبه الجزيرة ؛ سارعوا إلى الدخول في الإسلام ، وتركوا عبادة الأوثان . وتطهرت بلاد العرب جميعا من الأصنام وعبادتهم وتم ذلك كله بعد تبوك طواعية واختيارا ، من غير أن تزهق نفس أو يهرق دم . فماذا صنع اليهود والنصارى مع محمد ، وماذا صنع محمد معهم ؟