محمد حسين هيكل

301

حياة محمد ( ص )

الفصل التاسع والعشرون حجة الوداع محمد وأهل الكتاب - موقفه من النصارى - مجادلته إياهم - وحدة موقف محمد منهم - بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن - دعوة محمد الناس للحج ومجيئهم إلى المدينة من كل صوب - مسيرتهم في نحو مائة ألف إلى مكة - مناسك الحج - خطبة محمد . بعد حج أبي بكر بالناس منذ تلا عليّ بن أبي طالب صدر سورة براءة على الحاجّ من مسلمين ومشركين حين حجّ أبو بكر بالناس ، ومنذ أذّن فيهم بأمر محمد حين اجتمعوا بمنى أن لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عهد فهو له إلى مدّته ، أيقن المشركون من أهل بلاد العرب جميعا أن لم يبق لهم إلى المقام على عبادة الأوثان سبيل ، وأنهم إن يفعلوا فليأذنوا بحرب من اللّه ورسوله . وكان ذلك شأن أهل الجنوب من شبه جزيرة العرب حيث اليمن وحضرموت ؛ لأن أهل الحجاز وما والاها شمالا كانوا قد أسلموا واستظلّوا براية الدين الجديد . وكان الأمر في الجنوب مقسّما بين الشرك والمسيحية . فأمّا المشركون فأقبلوا كما رأيت من قبل ، يدخلون في دين اللّه أفواجا ويبعثون وفودهم إلى المدينة فيلقون من النبيّ كل حفاوة بهم تزيدهم على الإسلام إقبالا وتردّ أكثرهم إلى إمارته فتجعله أشدّ على دينه الجديد حرصا . وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد نزلت فيهم مما تلا عليّ من سورة التوبة هذه الآيات : ( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) « 1 » . إلى قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) . يقف كثير من المؤرخين ، أمام هذه الآيات من سورة التوبة ختام ما نزل من القرآن ، يسائلون أنفسهم . هل أمر محمد عليه السلام في شأن أهل الكتاب بغير ما أمر به من قبل أثناء سني رسالته ؟ ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن هذه الآيات تضع أهل الكتاب والمشركين فيما يشبه المساواة ؛ وأن محمدا ، وقد ظفر

--> ( 1 ) آية 29 وما بعدها .