محمد حسين هيكل
30
حياة محمد ( ص )
لريبة فيها ، وأنه حرّف بعد وفاة النبي وفي صدر الإسلام ، وأضيفت إليه أثناء ذلك آيات لأغراض دينية أو سياسية . ولست أناقش صاحب الرسالة من ناحية إسلامية فأحاجّه ، وهو مسلم ، بما يقرره الإسلام من أن القرآن كتاب اللّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو يذهب مذهب المستشرقين من أن القرآن كتاب وضعه محمد ، عن إيمان منه بأن هذا الكتاب وحي اللّه في رأي طائفة من هؤلاء المستشرقين ، وحرصا منه على إثبات رسالته بما يذكر من أن هذا القرآن وحي اللّه إليه في رأي الآخرين . فلأخاطبه إذا بلغته على أنه من أحرار الفكر الذين لا يريدون أن يتقيدوا إلا بما يثبته العلم إثباتا يقينيّا . فرية تحريف القرآن هو يعتمد على المستشرقين وما يقولونه . ومن المستشرقين طائفة تزعم بالفعل في أمر القرآن ما نقله عنهم . لكن زعمهم هذا يدلّ على أنهم إنما تدفعهم إليه أغراض يبرأ منها العلم ولا تخفى على أحد . وحسبك دليلا على ذلك قولهم : إن عبارة « ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد » ، التي وردت في الآية السادسة من سورة الصف ، إنما أضيفت بعد وفاة النبي لالتماس الدليل على نبوّة محمد ورسالته من الكتب المقدّسة السابقة للقرآن . فلو أن الذين قالوا هذا القول من المستشرقين كانوا يخلصون للعلم حقّا لما لجأوا إلى مثل هذا التدليل القائم عندهم على أن التوراة والإنجيل كتابان مقدّسان بالفعل . فلو أنهم كانوا يريدون العلم للعلم لسوّوا بين القرآن والكتب المقدّسة التي سبقته ؛ فإمّا اعتبروه مقدّسا مثلها ، فذكره الكتب المقدّسة التي عرفها الناس قبله طبيعي لا محل لرفضه . وإمّا اعتبروا هذه الكتب كما اعتبروا القرآن وقالوا في شأنها ما قالوه في شأنه ، وقرّروا أن أصحابها وضعوها لأغراض دينية أو سياسية خاصة . ولو أنهم قالوا مثل هذا القول لقضى المنطق بفساد ما ذهبوا إليه من تحريف القرآن لأغراض سياسية أو دينية ، فما كان للمسلمين أن يلتمسوا الحجة من هذه الكتب بعد أن اطمأن ملكهم ودانت لهم الإمبراطورية المسيحية كما دان لهم غيرها من أمم الأرض ، وبعد أن دخل المسيحيون في الإسلام أفواجا بل أمما كاملة . هذا هو المنطق الذي يقتضيه البحث العلمي النزيه . أمّا اعتبار التوراة والإنجيل مقدّسين ، ونفي هذه الصفة عن القرآن فأمر لا يسوّغه العلم . وأمّا القول بتحريفه التماسا للحجة من التوراة والإنجيل فهراء لا يقره التاريخ ولا يرضاه المنطق . والذين زعموا هذا الزعم الفاسد من المستشرقين هم قلة بين أشدّ المستشرقين تعصّبا . أما كثرتهم فيقرون بأن القرآن الذي نتلوه اليوم هو بعينه القرآن الذي تلاه محمد على المسلمين أثناء حياته ، لم يحرّف ولم يبدّل . وهم يحرصون على أن يذكروا هذا وإن أضافوا إليه من عبارات النقد للنظام الذي جمع القرآن به ولترتيب السور فيه ما لا يدخل تمحيصه في نطاق هذا البحث . وقد تناول المشتغلون بعلوم القرآن من المسلمين أوجه النقد هذه ودفعوها . أما ما نحن الآن في صدده فحسبنا فيه أن نقتطف بعض ما ذكره المستشرقين عنه ، لعله يقنع المصري المسلم الذي نناقش هاهنا رسالته ، ولعله يقنع الدين يفكرون على شاكلته . موير ينكر هذه الفرية وما أورده المستشرقون من ذلك كثير ، نختار منه بعض ما كتبه السير وليم موير في كتابه « حياة محمد » . ليرى هؤلاء الذين أسرفوا على التاريخ وعلى أنفسهم شدّة ما أسرفوا حين اطمأنوا إلى ما قيل عن تحريف القرآن وتبديله . وموير مسيحي شديد الحرص على مسيحيته والدعوة إليها ، شديد الحرص لذلك على ألا يدع موضعا لنقد نبي الإسلام وكتابه دون الوقوف عنده ومحاولة دعمه . يقول سيروليم موير ، عند كلامه عن القرآن ودقة وصوله إلينا ، ما ترجمته : « كان الوحي المقدس أساس