محمد حسين هيكل
31
حياة محمد ( ص )
أركان الإسلام فكانت تلاوة ما تيسر منه جزآ جوهريّا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة ، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزي من يؤديهما جزاء دينيا صالحا . ذلك كان جماع الرأي في السّنة الأولى ، وهو ما يستفاد كذلك من الوحي نفسه . لذلك وعت القرآن ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا . وكان مبلغ ما يستطيع أحدهم تلاوته بعض المميزات الجوهرية في العهد الأول للإمبراطورية الإسلامية . وقد يسّرت عادات العرب هذا العمل ؛ فقد كانوا ذوي ولع بالشعر عظيم . ولما كانت الوسائل لتحرير ما يفيض عن شعرائهم في غير متناول اليد ، فقد اعتأدوا أن ينقشوا هذه القصائد كما كانوا ينقشون ما يتعلق بأنسابهم وقبائلهم على صفحات قلوبهم . بذلك نمت ملكة الذاكرة غاية النمو ، ثم تناولت القرآن بكل ما أدّت إليه يقظة الروح إذ ذاك من حرص وإقبال . ولقد بلغ بعض أصحاب النبيّ من قوة الذاكرة ودقتها ومن التعلق بحفظ القرآن واستذكاره حدّا استطاعوا معه أن يعيدوا بدقة يقينية كل ما عرف منه إلى يوم كانوا يتلونه . تحرير القرآن في عهد النبي على الرغم من هذه القوة التي امتازت بها الذاكرة العربية فقد كنا في حل من ألّا نولي ثقتنا مجموعة ذلك كل مصدرها . لكن لدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد أن أصحاب النبي دوّنوا أثناء حياته نسخا شتى لأجزاء مختلفة من القرآن ، وأن هذه النسخ سجّلت القرآن ، سجلته كله تقريبا . فقد كانت الكتابة معروفة على وجه عام بمكة قبل نبوّة محمد بزمن غير قليل . وكان النبي قد استعمل على تحرير الكتب والرسائل أكثر من واحد من أصحابه بالمدينة . وقد فكّ إسار الفقراء من أسرى بدر مقابل قيامهم بتعليم أنصار المدينة الكتابة . ومع أن أهل المدينة لم يكونوا مثقفين ثقافة أهل مكة ، فقد عرفت مقدرة الكثيرين منهم على الكتابة قبل الإسلام . ومن اليسير مع ثبوت هذه للقدرة على الكتابة ، أن نستنبط غير مخطئين أن الآيات التي وعتها الذاكرة بدقة قد سجلتها الكتابة بمثل هذه الدقة . « ثم إنا نعرف أن محمدا كان يبعث إلى القبائل التي تدخل في الإسلام واحدا أو أكثر من أصحابه لتعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين ، وكثيرا ما نقرأ أن هؤلاء المبعوثين كانوا يحملون معهم أوامر مكتوبة في شأن الدين . ولقد كانوا يحملون ما نزل به الوحي بطبيعة الحال ، وخاصة ما اتصل منه بشائر الإسلام وقواعده ، وما يتلى منه أثناء العبادة . والقرآن نفسه ينص على وجوده مكتوبا . وتنص كتب السيرة ، حين تذكر إسلام عمر ، على وجود نسخة من السورة المتمة للعشرين ( سورة طه ) في حيازة أخته وأسرتها . وكان إسلام عمر قبل الهجرة بثلاث سنوات أو أربع . فإذا كان الوحي يدوّن ويتبادل في العصر الأول ، حين كان المسلمون قليلين وحين كانوا يسامون العذاب ، فمن المقطوع به أن النسخ المكتوبة كثر عددها وتداولها حين بلغ النبي أوج السلطة وحين صار كتابه قانون العرب جميعا . الرجوع إلى النبي عند الخلاف « كذلك كان شأن القرآن أثناء حياة النبيّ ، وكذلك كان شأنه إلى عام بعد وفاته : بقي مسطورا في قلوب الذين آمنوا به مسجّلة أجزاؤه المختلفة في نسخ كانت تزداد كل يوم عددا . وكان لزاما أن يتطابق هذان المصدران تمام التطابق . فقد كان القرآن منظورا إليه ، حتى في حياة النبي ، برهبة اليقين بأنه كلام اللّه ذاته لذلك كان كل خلاف على نصه يرجع فيه إلى النبيّ نفسه كي يزيله . ولدينا أمثلة من ذلك ؛ إذ رجع إلى النبي عمرو بن مسعود وأبي بن كعب . فلما قبض النبي كان يرجع عند الخلاف إلى النصوص المكتوبة ، وإلى ذاكرة أصحاب النبي الأقربين وكتّاب وحيه .