محمد حسين هيكل
299
حياة محمد ( ص )
الأصنام وكفى ، ولو أنه كان كذلك لوجبت محاربته ؛ فمن الازدراء للعقل الإنساني وللكرامة الإنسانية أن يعبد الإنسان حجرا . ولكن هذا الشرك كان يمثّل مجموعة من التقاليد والعقائد والعادات ، بل كان يمثّل نظاما اجتماعيّا هو شرّ من الرق وشرّ من البلشفية وشرّ من كل ما يتصور العقل في هذا القرن المتم للعشرين . كان يمثّل وأد البنات ، وتعدّد الزوجات إلى غير حدّ ، حتى ليحلّ للرجل أن يتزوّج ثلاثين وأربعين ومائة وثلاثمائة امرأة وأكثر من ذلك . وكان يمثّل الربا في أفحش ما يستطيع الإنسان أن يتصوّر الربا . وكان يمثّل الإباحيّة الخلقية في أسفل صورها ، وكانت جماعة الوثنيين العرب شرّ جماعة أخرجت للناس . ونودّ من كل منصف أن يجيب عن هذا السؤال : لو أن جماعة من الناس وضعت لنفسها اليوم نظاما فيه من العقائد والعادات وأد البنات ، وتعدّد الزوجات ، وإباحة الرق لسبب أو لغير سبب ، واستغلال الأموال استغلالا فاحشا ، ثم قامت ثورة على ذلك كله تحاول تحطيمه والقضاء عليه ، أتتّهم هذه الثورة بالتعصّب وبالعمل ضدّ حرية الرأي ؟ ! وإذا افترضنا أن أمة اطمأنّت إلى هذا النظام الاجتماعي المنحطّ وأوشكت العدوي أن تنتقل منها إلى غيرها من الدول فاذنتها هذه الدول بحرب ، أتكون الحرب مسوّغة أم غير مسوّغة ؟ ! أو لا تكون مسوّغة أكثر من الحرب الكبرى الأخيرة التي طاحت بملايين من أهل هذا العالم لغير سبب إلا الشره والجشع من جانب دول الاستعمار ؟ ! وإذا كان ذلك شأنها فما عسى أن تكون قيمة نقد المستشرقين للآيات التي تلاها القارئ من سورة براءة ، ولدعوة الإسلام إلى حرب الشرك وأهله ممن يدعون إلى إقامة نظام فيه ما ذكرنا وشرّ مما ذكرنا ! الثورة على الشرك مسوغة وإذا كانت هذه هي الحقيقة التاريخية في شأن هذا النظام الذي كان قائما في بلاد العرب يظلّه علم الشرك والوثنية ، فهناك أيضا حقيقة تاريخية أخرى مستمدّة من حياة الرسول . فهو قد أنفق منذ بعثه اللّه برسالته ثلاث عشرة سنة حسوما يدعو الناس فيها إلى دين اللّه بالحجة ويجادلهم بالتي هي أحسن . وهو فيما قام به من غزوات لم يكن معتديا قط ، وإنما كان مدافعا عن المسلمين دائما ، مدافعا عن حرّيتهم في الدعوة إلى دينهم الذي يؤمنون به ويضحّون بحياتهم في سبيله . هذه الدعوة القويّة إلى قتال المشركين على أنهم نجس ، وأنهم لا عهد لهم ولا ميثاق ، وأنهم لا يرعون في مؤمن إلّا ولا ذمة ، وإنما نزلت بعد آخر غزوة غزا النبيّ : تبوك ، فإذا حلّ الإسلام ببلاد تفشى فيها الشرك وحاول أن يقيم فيها هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي الهدّام الذي كان قائما في شبه الجزيرة حين بعث النبيّ ، فدعا المسلمون أهلها إلى ترك هذا النظام ، وإلى الأخذ بما أحلّ اللّه وتحريم ما حرّم فلم يذعنوا ، فليس من منصف إلا يقول بالثورة عليهم ، وبقتالهم حتى تتم كلمة الحق ، وحتى يكون الدين كله للّه . ولقد أثمر هذا الذي تلا عليّ من « براءة » وما نادى في الناس بألا يدخل الجنة كافر ، وبألا يحجّ بعد العام مشرك ، وبألا يطوف بالبيت عريان ، خير الثمرات ، وأزال كل تردّد من نفوس القبائل التي كانت ما تزال متباطئة في تلبية دعوة الإسلام . وبذلك دخلت في الإسلام بلاد اليمن ومهرة والبحرين واليمامة ، ولم يبق من يناوئ محمدا إلا عددا قليلا أخذتهم العزة بالإثم وغرّهم باللّه الغرور . من هؤلاء عامر بن الطفيل الذي ذهب مع وفد بني عامر ليستظّلوا براية الإسلام ، فلما كانوا عند النبيّ امتنع عامر ولم يسلم ، وأراد أن يكون للنبي ندّا . وأراد النبيّ أن يقنعه كيما يسلم ، فأصرّ على إبائه ، ثم خرج وهو يقول : أما واللّه لأملأنها عليك خيلا ورجالا قال محمد : اللّهمّ اكفني عامر بن الطفيل ! وانصرف عامر يريد قومه ، وإنه لفي بعض الطريق إذ أصابه الطاعون في عنقه