محمد حسين هيكل

292

حياة محمد ( ص )

الفصل الثامن والعشرون عام الوفود وحج أبي بكر بالناس دخول العرب أفواجا في دين اللّه - إسلام عروة بن مسعود الثقفي وقتل أهل الطائف له - أخذ القبائل المجاورة الطريق على ثقيف - وفدها إلى النبي وشروطه - إسلام الوفد وإسلام الطائف وهدم صنمها اللات - حج أبي بكر بالناس - لحاق علي بن أبي طالب به - سورة براءة - أساس الدولة الإسلامية المعنوي - الجهاد في الإسلام وتسويغه . أثر تبوك وميل العرب إلى الإسلام بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه جزيرة العرب كلها ، وأمن محمد كل عادية عليها . والحق أنه لم يكد يستقرّ بعد أن عاد من هذه الغزوة إلى المدينة حتى بدأ كل من أقام على شركة من أهل شبه الجزيرة يفكّر . ولئن كان المسلمون ، الذين صحبوا محمدا في مسيره إلى الشام كابدوا من صنوف المشاق واحتملوا من القيظ والظمأ أهوالا ، قد عادوا وفي نفوسهم شيء من السخط أن لم يقاتلوا ولم يغنموا بسبب انسحاب الروح إلى داخل الشام ليتحصنوا بمعاقلهم فيها - لقد ترك هذا الانسحاب في نفوس قبائل العرب المحتفظة بكيانها وبدينها أثرا عمقا ، وترك في نفوس قبائل الجنوب باليمن وحضرموت عمان أثرا أشدّ عمقا . أليس الروم هؤلاء هم الذين غلبوا الفرس واستردّوا منهم الصليب وجاؤوا به إلى بيت المقدس في حفل عظيم ، وفارس كانت صاحبة السلطان على اليمن وعلى البلاد المجاورة لها أزمانا طويلة ! فإذا كان المسلمون على مقربة من اليمن ومن غيرها من البلاد العربية جمعاء ، فما أجدر هذه البلاد بأن تتضامّ كلها في تلك الوحدة التي تستظلّ بعلم محمد ، علم الإسلام ، لتكون بمنجاة من تحكم الروم والفرس جميعا ! وماذا يضرّ أمراء القبائل والبلاد أن يفعلوا وهم يرون محمدا يثبّت من جاءه معلنا الإسلام والطاعة في إمارته وعلى قبيلته ؟ ! فلتكن السنة العاشرة للهجرة إذا سنة الوفود ، وليدخل الناس في دين اللّه أفواجا ، وليكن لغزوة تبوك ولانسحاب الروم أمام المسلمين من الأثر أكثر مما كان لفتح مكة والانتصار في حنين وحصار الطائف . إسلام عروة بن مسعود ومن حسن صنيع القدر أن كانت الطائف - التي قاومت النبيّ في أثناء حصارها ما قاومت حتى انصرف المسلمون عنها دون اقتحامها - هي أوّل من أسرع إلى إعلان الطاعة بعد تبوك ، وإن تردّدت طويلا في إعلان هذه الطاعة . فقد كان عروة بن مسعود ، أحد سادة ثقيف المقيمين بالطائف ، غائبا باليمن في أثناء غزو النبيّ بلاده بعد موقعة حنين . فلمّا عاد إلى موطنه ورأى النبيّ انتصر في تبوك وعاد إلى المدينة ، أسرع إليه يعلن