محمد حسين هيكل
293
حياة محمد ( ص )
إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين اللّه . ولم يكن عروة ليجهل محمدا وعظم أمره ، وقد كان أحد الذين فاوضوه عن قريش في صلح الحديبية . وعرف النبيّ بعد إسلام عروة اعتزامه الذهاب إلى قومه يدعوهم إلى الدين الذي دخل فيه ، وكان النبيّ يعرف من تعصّب ثقيف لصنمها اللّات ومن نخوتها وشدتّها ما جعله يحذّر عروة ويقول له : إنهم قاتلوك ، لكن عروة اعتزّ بمكانه من قومه فقال : يا رسول اللّه ، أنا أحبّ إليهم من أبصارهم . وذهب عروة فدعا قومه إلى الإسلام ؛ فتشاوروا فيما بينهم ولم يبدوا له رأيا . فلما كان الصباح قام على علّية له ينادي إلى الصلاة . هنالك صدقت فراسة الرسول ، فلم يطق قومه صبرا ، فأحاطوا به ورموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم قاتل . واضطرب من حول عروة أهله ، فقال وهو يسلم الروح : « كرامة أكرمني اللّه بها ، وشهادة ساقها اللّه إليّ ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قبل أن يرتحل عنكم » . ثم طلب أن يدفن مع الشهداء فدفنه أهله معهم . ولم يذهب دم عروة هدرا ، فإن القبائل التي تحيط بالطائف كانت قد أسلمت كلها ، ولذلك رأت فيما صنعت ثقيف بسيد من سادتها إثما ونكرا . ورأت ثقيف من أثر ذلك أنهم صاروا لا يأمن لهم سرب ، ولا يخرج منهم رجل إلا اقتطع ، وأيقنوا أنهم إن لم يجدوا سبيلا إلى صلح أو هدنة مع المسلمين فمصيرهم لا ريب إلى الفناء . وأتمر القوم فيما بينهم ، وتحدثوا إلى كبير منهم ( عبد يا ليل ) ، كي يذهب إلى النبيّ يعرض عليه صلح ثقيف معه . وخشي عبد يا ليل أن يصيبه من قومه ما أصاب عروة بن مسعود ، فلم يقبل أن يخرج إلى محمد حتى أوفدوا معه خمسة آخرين ، اطمأنّ إلى أنه إذا خرج معهم ثم عادوا شغل كلّ رجل منهم رهطة . ولقي المغيرة بن شعبة القوم حين دنوا من المدينة ، فأسرع يريد أن يخبر النبيّ خبرهم . ولقيه أبو بكر يشتدّ في السير ؛ فلما عرف منه ما جاء فيه طلب إليه أن يدع له هذه البشرى يزفّها إلى رسول اللّه ودخل أبو بكر فأخبر النبيّ بقدوم وفد ثقيف . طلب الوفد بقاء صنمهم ورفض النبي ذلك وكان هذا الوفد ما يزال يعتزّ بقومه ، وما يزال يذكر حصار النبيّ للطائف وانصرافه عنها . فمع ما علمهم المغيرة كيف يحيون النبيّ بتحية الإسلام لم يرضوا حين قابلوه إلا أن يحيوه بتحية الجاهلية ، ثم إنهم ضربت لهم قبة خاصّة في ناحية من المسجد أقاموا بها يصرّون على الحذر من المسلمين وعدم الطمأنينة إليهم . وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول اللّه في مفاوضتهم إياه ؛ فكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند النبيّ حتى يأكل منه خالد . وقام هذا بالسفارة ، فأبلغ محمدا أنهم مع استعدادهم للإسلام ، يطلبون إليه أن يدع لهم صنمهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها ، وأن يعفيهم من الصلاة . وأبى محمد عليهم ما طلبوا من ذلك أشدّ إباء . ولقد نزلوا يطلبون أن يدع اللات سنتين ، ثم أن يدعها سنة ، ثم أن يدعها شهرا واحدا بعد انصرافهم إلى قومهم ، ولكن إباءه ذلك كان حاسما لا تردّد فيه ولا هوادة . وكيف تريد من نبيّ ، يدعو إلى دين اللّه الواحد القهار ويهدم الأصنام فلا يذر منها باقية ، أن يتهاون في أمر صنم منها ، وإن كان لقومه من المنعة ما كان لثقيف بالطائف ! فالإنسان إمّا أن يؤمن ، وإمّا ألّا يؤمن ، وليس بين الطرفين إلا الارتياب والشكّ . والشكّ والإيمان لا يجتمعان في قلب كما لا يجتمع الإيمان والكفر . وبقاء اللات طاغية ثقيف علم على أنهم لا يزالون يداولون عبادتهم بينها وبين اللّه جلّ شأنه . وهذا إشراك باللّه ، واللّه لا يغفر أن يشرك به .