محمد حسين هيكل

268

حياة محمد ( ص )

مكة بما لم يكونوا يقدّرون ، فأقبلوا على الإسلام ، ونادى مناد فيهم : « من كان منكم يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يترك في داره صنما إلا حطمه » . ثم بعث جماعة من خزاعة ليصلحوا من العمد المحيطة بالبلد الحرام ، مما دلّ أهل مكة على مالها في نفسه من التقديس وما زادهم له حبّا . فلما أخبرهم أنهم خير أمّة يحبّ ، وأنه ما كان ليتركهم أو يعدل بهم ناسا لولا أنهم أخرجوه ، بلغ تعلقهم به غاية حدوده . وجاء أبو بكر بأبيه ، الذي ارتقى أبا قبيس يوم الزحف ، يقوده حتى وقف بين يدي النبيّ . فلما رآه محمد قال : هلّا تركت الشيخ بمكانه حتى أكون أنا آتيه فيه ! قال أبو بكر : يا رسول اللّه هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت . فأجلس النبيّ الشيخ بين يديه ومسح صدره ثم قال له : أسلم . فأسلم وحسن إسلامه . وكذلك أسرت أخلاق النبوّة السامية هذا الشعب الذي كان ثائرا على محمد أشدّ الثورة ، والذي أصبح اليوم يجلّه ويقدّسه . وكذلك أسلمت قريش رجالا ونساء وبايعت . وأقام محمد بمكة خمسة عشر يوما ينظّم خلالها شؤون مكة ويفقه أهلها في الدين . وفي هذه الأثناء بعث السرايا للدعوة إلى الإسلام لا للقتال ، ولتحطيم الأصنام من غير سفك للدماء . وكان خالد بن الوليد قد خرج إلى نخلة ليهدم العزّى - وكانت لبني شيبان - فلما هدمها خرج إلى جذيمة ، فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح ؛ فطلب إليهم خالد أن يضعوه فإن الناس قد أسلموا . قال رجل من جذيمة لقومه : ويلكم يا بني جذيمة ! إنه خالد . واللّه ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق . قال له قومه : أتريد أن تسفك دماءنا ! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس وما زالوا به حتى وضع سلاحه . عند ذلك أمر بهم خالد فغلوا ، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم . فلمّا انتهى الخبر إلى النبيّ رفع يديه إلى السماء وقال : « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد » . ثم بعث إليهم عليّ بن أبي طالب وقال له : اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهليّة تحت قدميك . وخرج عليّ ومعه مال أعطاه النبيّ إياه . فلمّا بلغ القوم دفع الدية عن الدماء وعما أصيب من الأموال ، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه ، أعطاهم بقية المال الذي بعث به رسول اللّه احتياطا لرسول اللّه مما لا يعلم . وفي الأسبوعين اللذين أقام محمد بمكة عفّى على كل آثار الوثنيّة فيها . ولم ينتقل إلى الإسلام من مناصب البيت الحرام إلا سدانة الكعبة ، أقرّها النبيّ في عثمان بن طلحة وأبنائه من بعده حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها لا يأخذها منهم إلا ظالم ، وسقاية الحاج من زمزم جعلها لعمه العبّاس . وكذلك آمنت أمّ القرى ورفعت منار التوحيد ولواءه وأضاءت العالم خلال الأجيال والقرون بنوره الوضّاء .