محمد حسين هيكل

269

حياة محمد ( ص )

الفصل الخامس والعشرون حنين والطائف تالب هوازن وثقيف بإمرة مالك بن عوف - تحصينهم بمضيق وادي حنين - خروج المسلمين إلى حنين تعجبهم كثرتهم - دخول المسلمين من مضيق الوادي في عماية الصبح - ضرب هوازن وثقيف إياهم من المرتفعات وارتدادهم منهزمين - ثبات محمد إلى الموت - صياح العباس بالمسلمين كي يعودوا - عودهم إلى رسول اللّه ومقاتلتهم وانتصارهم - الفيء - المسير إلى الطائف - حصارها وعدم إمكان اقتحامها - تحريق نخيلها - استرحامها النبي - رجوعه عن الحصار - إسلام هوازن - حديث الشيماء - العود إلى الجعرانة وقسمة الفيء - العمرة - العودة إلى المدينة . مسيرة مالك بن عوف لقتال المسلمين أقام المسلمون بمكة بعد فتحهم إيّاها فرحين بنصر اللّه إياهم ، مغتبطين أن لم يسفك في هذا النصر العظيم إلا الدم القليل ، مسارعين إلى البيت الحرام كلما أذّن بلال بالصلاة ، متدافعين حول رسول اللّه حيث أقام وحيث ذهب . يغشى المهاجرون منهم دورهم ويتّصلون بأهليهم الذي هدى اللّه بعد الفتح ، ونفوسهم جميعا مطمئنة إلى أن الأمر قد استقرّ للإسلام ، وأن الجانب الأكبر من الجهاد قد كلل بالفوز والظفر . وإنهم لكذلك بعد خمسة عشر يوما من مقامهم بأمّ القرى إذ ترامت إليهم أنباء أيقظت استنامتهم للغبطة ! تلك أن هوازن كانت تقيم على مقربة من مكة إلى جنوبها الشرقي في جبال هناك ، فلمّا علمت بما تمّ للمسلمين من فتح مكة ومن تحطيم أصنامها . خشيت أن تدور عليها الدائرة وأن يقتحم المسلمون عليها منازلها ، ففكرت فيما تصنع لاتقاء هذه الكارثة الوشيكة الوقوع ولصدّ محمد والكفّ من غلواء المسلمين الذين يعملون للقضاء على استقلال قبائل شبه الجزيرة وعلى ضمها كلها في وحدة يظلها الإسلام ، لذلك جمع مالك بن عوف النّصري هوازن وثقيفا ، كما اجتمعت نصر وجشم ، ولم يتخلف عن الاجتماع من هوازن إلا كعب وكلاب . وكان في جشم دريد بن الصّمّة . وكان يومئذ شيخا كبيرا لا نفع منه في الحرب ، ولكنما كان الانتفاع برأيه بعد الذي عركه على السنين في وقائعها . اجتمعت هذه القبائل كلها ومعها أموالها ونساؤها وأبناؤها ، وتمّ جمعها حين نزلت سهل أوطاس . فلما سمع دريد رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء ، سأل مالك بن عوف : لم ساق مع المحاربين أموالهم ونساءهم وصغارهم ؟ فلما أجابه مالك بأنه إنما أراد أن يشجع بها المحاربين ، قال دريد : وهل يردّ المنهزم شيء ! إنها إن كانت لك لم ينفعك لا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك . واختلف هو ومالك . وتبع الناس مالكا ، وكان شابّا في الثلاثين من عمره قويّ الإرادة ماضي العزيمة ، وتابعهم دريد ما يردّ لهم ، على رغم سابقته في الحرب ، رأيا . وأمر مالك الناس