محمد حسين هيكل
267
حياة محمد ( ص )
الصلاة للّه والصلاة على رسوله ، متوجهين إلى اللّه بقلوبهم وعقولهم ، مستقبلين هذا البيت الحرام الذي طهّره محمد يوم الفتح من أوثانه وأصنامه . وأذعنت قريش لما حلّ بها ، واطمأنت لعفو محمد عنها ، وأقامت تنظر إليه وإلى المسلمين من حوله بعيون كلها دهش وإعجاب يمازجها الخوف والحذر . لكن طائفة منها عدّتها سبعة عشر رجلا ، كان محمد قد استثناها من رحمته وأمر ساعة دخول مكة أن يقتل رجالها ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة ، كان قد آثر بعضها الاختفاء ولاذ بعضها بالفرار . ولم يكن قرار محمد قتلهم لحقد منه أو غضب عليهم ؛ فهو لم يكن يعرف الحقد ، ولكن لجرائم كبيرة ارتكبوها . فأحدهم عبد اللّه بن أبي السرّح كان قد أسلم وكان يكتب لمحمد الوحي ، فارتدّ مشركا إلى قريش زاعما أنه كان يزيف الوحي حين يكتبه . وعبد اللّه بن خطل كان قد أسلم ثم قتل مولى له وارتد مشركا وأمر جاريتيه فرتنى وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء محمد ، فأمر بقتلهما معه . وعكرمة بن أبي جهل وكان من أشدّ الناس لددا في خصومة محمد والمسلمين خصومة لم تهدأ حتى بعد فتح مكة ودخول خالد بن الوليد من أسفلها . العفو عمن أمر النبي بقتلهم أمر محمد بعد دخول مكة ألا يسفك بها دم أو يقتل فيها أحد غير هذه الطائفة . لذلك اختفى رجالها ونساؤها وفرّ منهم من فرّ . فلمّا استقر الأمر وهدأت الحال ورأى الناس من فسحة صدر الرسول ومن عفوه الشامل ما رأوا ، طمع بعض أصحابه في أن يعفو حتى عن هؤلاء الذين أمر أن يقتلوا . فقام عثمان بن عفّان ، وكان أخا ابن أبي السّرح للرضاعة ، حتى أتى به النبيّ فاستأمن له . فصمت محمد طويلا ، ثم قال : نعم ، وأمّته . وأسلمت أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل الذي فرّ إلى اليمن واستأمنت له محمدا فأمّنه ، فخرجت في طلبه وجاءت به . وعفا محمد كذلك عن صفوان بن أميّة وكان قد صحب عكرمة في فراره إلى ناحية البحر يستقلّانه إلى اليمن ، فجيء بهما والسفينة التي تحملهما على أهبة إقلاعها . وعفا محمد كذلك عن هند زوج أبي سفيان التي مضغت كبد حمزة عم الرسول بعد استشهاده في أحد ، كما عفا عن أكثر من أمر بقتلهم . ولم يقتل منهم إلا أربعة ، منهم الحويرث الذي أغرى بزينب بنت النبيّ حين رجوعها من مكة إلى المدينة ، ورجلان أسلما ثم ارتكبا بالمدينة جريمة القتل وفرّا راجعين إلى مكة مرتدّين إلى الشرك ، وإحدى قينتي ابن خطل اللتين كانتا تؤذيان النبيّ بغنائهما ، وفرّت الآخرى ، ثم استؤمن لها . تحريم مكة على الناس جميعا وفي غداة يوم الفتح عثرت خزاعة على رجل من هذيل وهو مشرك فقتلوه فغضب النبيّ وقام في الناس خطيبا فقال : « أيها الناس ، إن اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم القيامة لا يحلّ لأمرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد « 1 » . فيها شجرا ، لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحلّ لأحد يكون بعدي ، ولم تحلل لي إلّا هذه الساعة غضبا على أهلها ، ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب . فمن قال لكم إنّ رسول اللّه قد قاتل فيها فقولوا إن اللّه قد أحلّها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة . ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع . لقد قتلتم قتيلا لأدينّه . فمن قتل بعد مقالي هذا فأهله بخير النّظرين : إن شاؤوا فدم قاتله ، وإن شاؤوا فعقله » « 2 » . ثم ودى بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة ، وبهذا الخطاب وبتصرفه الذي زاد على السماحة والعفو أمس ، كسب محمد قلوب أهل
--> ( 1 ) يعضد : يقطع . ( 2 ) العقل : الدية .