محمد حسين هيكل
266
حياة محمد ( ص )
لقد أمكنه اللّه من عدوّه ، فقدر فعفا ، فضرب بذلك للعالم كله ولأجياله جميعا مثلا في البرّ والوفاء بالعهد ، وفي سموّ النفس سموا لا يبلغه أحد . الصور في الكعبة ودخل محمد الكعبة فرأى جدرانها صوّرت عليها الملائكة والنبيون ، ورأى إبراهيم مصوّرا في يده الأزلام « 1 » يستقسم بها ، ورأى بها تمثال حمامة من عيدان فكسرها بيده وألقاها إلى الأرض ، أمّا صورة إبراهيم فنظر محمد إليها مليّا وقال : قاتلهم اللّه ! جعلوا شيخا يستقسم بالأزلام ! ما شأن إبراهيم والأزلام ! ما كان إبراهيم يهوديّا ولا نصرانيّا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين . أمّا الملائكة الذين صوّروا نساء ذات جمال ، فقد أنكر محمد صورهم أن ليست الملائكة ذكورا ولا إناثا . ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست . وكانت حول الكعبة الأصنام التي كانت تعبدها قريش من دون اللّه ، قد شدّت إلى جدرها بالرصاص ، كما كان هبل في داخل الكعبة ؛ فجعل محمد يشير إلى هذه الأصنام جميعا بقضيب في يده وهو يقول : ( وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) « 2 » . تطهير الكعبة من الأصنام وكبّت الأصنام على وجوهها وظهورها ، وطهر البيت الحرام بذلك منها . وأتمّ محمد بذلك في أوّل يوم لفتح مكة ما دعا إليه منذ عشرين سنة ، وما حاربته مكة أشدّ الحرب فيه . أتمّ تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش ، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها ، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا . مخاوف الأنصار وتبديدها ورأى الأنصار من أهل المدينة ذلك كله ، ورأوا محمدا يقوم على الصفا ويدعو ، فخيل إليهم أنه تارك المدينة إلى وطنه الأول وقد فتحه اللّه عليه ، وقال بعضهم لبعض : أترون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إذ فتح اللّه عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟ ولعلهم كانوا على حق في مخاوفهم . فهذا رسول اللّه : وبمكة البيت الحرام بيت اللّه ، وبمكة المسجد الحرام . لكن محمدا ما لبث حين أتم دعاءه أن سألهم ما قالوا ؟ فلما عرف بعد تردّد منهم مخافتهم قال : « معاذ اللّه ، المحيا محياكم والممات مماتكم » . فضرب بذلك للناس مثلا في البرّ بعهده في بيعة العقبة ، وفي الوفاء لأنصاره الذين وقفوا ساعة الشدة إلى جانبه برّا ووفاء لا ينسيهما وطن ولا أهل ولا تنسيهما مكة البلد الحرام . ولمّا أن طهّرت الكعبة من أصنامهما ، أمر النبيّ بلالا فأذّن فوقها ، وصلى الناس بإمامة محمد . ومن يومئذ إلى يومنا الحاضر ، مدى أربعة عشر قرنا مضت لا تنقطع ، وبلال وخلفاء بلال من بعده ينادون بالأذان ، كلّ يوم خمس مرات من فوق مسجد مكة . ومدى أربعة عشر قرن مضت من يومئذ يؤدّي المسلمون فرض
--> ( 1 ) الأزلام ( واحدها زلم بفتحتين ، وبضم ففتح ) هي القداح التي كانت في الجاهلية مكتوب عليها الأمر والنهي : افعل ولا تفعل ، كان الرجل منهم يضعها في وعاء ، فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما أدخل يده في الوعاء بعد إجالتها وتحريكها فأخرج منها زلما ، فإن خرج الأمر مضى لشأنه ، وإن خرج النهي كف عما اعتزم ولم يفعله . والاستقسام بها معرفة قسم الإنسان ، أي حظه ونصيبه . ( 2 ) سورة الإسراء آية 81 .